‏إظهار الرسائل ذات التسميات ذكور و إناث. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ذكور و إناث. إظهار كافة الرسائل

09‏/08‏/2010

ذكور و إناث... ( قداسة )

" يولد الذكور في مجتمعنا وهم يرتدون ثوب القداسة، وكل ذنوبهم مغفورة وإن لم يقربوا كرسي الاعتراف. بينما تولد الأنثى في الخطيئة، وتقضي عمرها تدور في دوائر الشك والاتهام وتترافع عن براءتها علّها تستعيد روحها المسلوبة "

عندما تمر بسيارتك أمام منازلهم تعجبك حجارتها البيضاء ورتابة حديقتها وتلمح في فناء المنزل عائلة تحتسي القهوة وتقول في نفسك: يبدون سعيدين. فتحسدهم وتتمنى أن تكون مكانهم يوماً من الأيام.
عائلة تبدو مثالية، ذات سمعة محترمة، يبجلهم كل من يعرفهم، ولكن خلف هذه الأسوار تُروى قصة أخرى.

عائلة السيد عماد هي إحدى هذه العائلات. للسيد عماد زوجة، إمرأة لطيفة حسنة المعشر، وله أيضا أولاد ذكور وإناث. 
وقد أرسى السيد عماد منذ بداية حياته العائلية عدّة من القواعد للتعامل مع أبنائه. وفيما يرى البعض أن هذه القواعد هي عنصرية مطلقة، يرى السيد عماد أنها شريعة ونهج قويم.
ولن نتكلم عن أبنائه كلهم فلكل منهم قصة شرحها يطول، لكن سنحدثكم عن البكر "سارة" ومن يليها "عمر".

بدأت الحكاية منذ زمن طويل منذ أن سمحت الأم لكل منهما باللعب خارجاً في فناء المنزل. أراد عمر وسارة ككل الأطفال اختبار صبر أمهم فتعدّوا أسوار المنزل وخرجوا للعب في الشارع، لكن أمهم كانت متسامحة ونظرت إليهم بابتسامة وخلت بينهم وبين مؤامرتهم، وسرقت نظرة مطمئنة من شباك المنزل من حين لحين.
لكن سرعان ما انتقضت هذه الطمأنينة بصراخ السيد عماد. صرخ بغضب من وسط الشارع: " كيف بتطلعي البنت تلعب بالشارع ؟ ما تظبيها تلعب عندك جوّا بالدار".
وجرّ الصغيرة بقوة من يدها للداخل وأطلق تهديداً صريحاً بضربها إن خرجت للشارع مرّة أخرى. انتفض قلب سارة وشعرت بشعور غريب، لم يكن مصدر هذا الشعور التهديد ذاته لأنها لم تفهمه أصلا! لكنها بدأت ترعى في قلبها خوفاً ورعباً من صاحبه.
ما لم تدركه سارة بعد أن كثرة خروج البنت للشارع أمر محرّم ومدعاة لكلام الناس، هذه هي أحدى تشريعات والدها الثمينة والتي وجب عليها أن تبدأ بتطبيقها من الصغر لتعدادها في الكبر.
ومنذ ذلك اليوم لم تلعب سارة خارج أسوار المنزل ولم تذهب حتى للدكان بينما كان كل ذلك متاحاً لعمر، ومازالت سارة لا تفهم سبباً لذلك، فقد وجب عكس الحال، فقد كانت أكبر من عمر وأجدر بأن تحمل هذه الثقة، لكنها لم تدرك بعد بأنها خلقت أنثى، (( وليس الذكر كالأنثى )).  

ظنت سارة أنها إن كبرت سيتحسن الحال لكنه أفضى بأن يكون أسوأ!
عندما حان وقت المدرسة لُقنت سارة مجموعة من التعليمات عن أي طريق ستسلك وفي أي ساعة عليها أن تعود وبرفقة من ستذهب من بنات الجيران.
وفي أحد الأيام تأخرت سارة قليلاً عن وقت العودة، ساعة من زمن رافقت فيها صديقاتها للمكتبة لشراء بعض الملصقات لأبطال الكرتون وللدكان لشراء المثلجات، ورجعت للمنزل بابتسامة سرعان ما مسحتها صفعة على وجهها من أمها تليت بضرب طال جسدها كله كان كفيلا بأن يعلمها أن لا تتأخر مرة أخرى.
ولم تفهم سارة حقا ما الذنب الذي اقترفته، خاصة وهي تشاهد عمر يلعب بالكرة خارجاً مع أصدقائه كل يوم حتى تغيب الشمس دون أن يوبخه أحد أو يضربه أحد.

عندما أرادت سارة أن تشارك فتيات العائلة في ليلة مبيت في منزل خالتها عارض والدها الأمر بشدة، فياللعار! " ما عنا بنات بتنام بره الدّار".
وشيئاً فشيئاً لم تعد تملك الصديقات، فالصداقة تتضمن الزيارة والمشاركة، وياللعار! " شو بدهم يحكوا عنا الناس؟ بناتنا ليل نهار بتلف من دار لدار".
وبدأت سارة شيئاً فشيئاً تكتسب شعوراً بالشك والاتهام المزمن، بل بدأت تظن أنها هي العار بذاته!

ارتدت يوماً ثياباً جميلة وتحلت بأحلى حلّة لترافق أمها لزفاف أحد المعارف، فاصطدمت أمام الباب بعمر، الذي ما كان منه إلاّ وقد أصدر القرار بأن تعود سارة للوراء وتغير تلك الثياب وذاك الحذاء، فبالنسبة له لم يكن أي منها مناسباً ولم يكن يعكس وجهة نظر احترام العائلة، وعندما تجرّأت سارة على الرفض عادت أدراجها للداخل جرّاً وضرباً على مرأى ومسمع من أمها - تلك اللطيفة حسنة المعشر - والتي سعت لفضّ الخلاف لكنها لم تستطع أن تدفع عمر ليعدل عن قراره.
توجهت سارة لأبيها شاكية باكية، ولكن مم ستشتكي؟ أتشتكي تجرأ الأخ على ضرب أخته التي تكبره؟ أم تشتكي تدخله في أمر وجب على الوالدين لا على الإخوة أن يحسموه؟
واكتفى الوالد بتعنيف الولد، بينما خالجه شعور طيب، فقد أصبح ابنه الآن مسؤولاً وقوّاماً، لقد أصبح نسخة عنه، وأي فرحة تنتابه وقد صار ذاك الشبل من ذاك الأسد.

تستمر الحياة وتمر فيها الأيام على سارة ثقيلة مضنية، والآن تتأهب سارة للذهاب إلى الجامعة، وقد تفضّل والدها واشترى لها طلب الانتساب، وليس هذا وحسب! بل تكرّم بأن يسمح لها باختيار التخصص الذي تريد.
امسكت طلب الانتساب وبدأت تقرأ أسماء التخصصات والجامعات وعليها الآن أن تقرر. قد حصلت على معدل جيد جداً يوفر لها الكثير من الخيارات لكن عليها أن تكون حذرة! فعليها أن تختار أقرب جامعة وإلا ألغى الوالد الفكرة برمتها، وعليها أن تختار تخصصاً أكاديمياً بسيطاً، على الأغلب ستنتهي فيه كمعلمة وهذه هي الوظيفة الوحيدة التي سيسمح لها بأن تشغلها مستقبلاً، عليها حقاً أن تكون حكيمة في اختيارها، وعليها أن تفرح لما وصلت إليه، أولا يكفي أن وافق والدها على ذهابها للجامعة؟ فسينفق أبوها مالاً لتعليمها وسيذهب هذا المال هباءً منثوراً، فتعليم البنات مضيعة، وكيف لا؟ وهي ستنتهي لبيت زوجها وستعود ثمار تعليمها عليه.
لم تكن الجامعة ممتعة حقا، بل كانت تشبه كثيرا أيام المدرسة، فتذهب سارة في وقت محدد وتعود في وقت محدد وعلى أمها أن تراقب التوقيت جيداً، أما أبوها فقد حسب أجرة المواصلات بدقة فائقة وحدّد لسارة مصروفاً ينتهي بالضبط مع انتهاء الأسبوع لا قرشاً أكثر ولا قرشاً أقل، وكأنها كانت سترتكب كبيرة إن فاض مصروفها فيضاً يسيراً!

عامان فقط والتحق بها عمر إلى الجامعة، وفرحت العائلة به فرحاً شديداً وأقامت الاحتفلات، ولو استطاع والده أن يطلق مدفعاً كمدفع الإفطار من فوق المنزل لفعل لفرط فرحه وتهليله، وقد كانت الخيارات مفتوحة أمام عمر وليدرس ما يشاء، حتى لو اختار السفر للخارج، فنقود أبيه موجود من أجله، فهذا هو الولد فرحة الوالدين وعوضهم من الدنيا.
لكن عمر لم يكن يقوى على الغربة واختار الدراسة المحلية بين أحضان والديه، وفور وصوله الجامعة نجح في تكوين شعبيّة صارخة، قد كان عمر مرحاً جداً وكريماً جداً، وكان الرفيق الأمثل للرحلات وعزائم المطاعم وجلسات السهر حتى الفجر. وتمتع عمر في الجامعة قدر استطاعته، بل كانت الجامعة أمتع أيام حياته، واحتاج وقتاً أطول من غيره ليتخرّج لكن لم يناقش أحد خياراته، فقد كان عمر قدّيساً وكل أفعاله صائبة وكل قراراته محترمة.
كل هذا وسارة تراقب عن كثب، والبركان يتعاظم في داخلها وتقول لنفسها " يا ليتني لم أخلق أنثى...".

تخرّجت سارة من الجامعة وشرعت فوراً في البحث عن عمل لتجد حجّة تخرج بها من المنزل وتنقذ نفسها من الخدمة المضنية لساكنيه. ولكن وقبل أن تجد عملاً باغتها أوّل الخاطبين.
الخطبة؟ ليست الخطبة بالأمر الهين! ستمر الخطبة على سارة ثقيلة مضنية ككل أيام حياتها، وستجد نفسها في محاكمة طويلة جداً لتثبت أنها أهلٌ لها.

تبدأ الجلسة الأولى دوماً بالزيارة النسائية، وترتدي سارة ثياباً جميلة وتمشط شعرها وتدخل غرفة الضيافة وتبتسم، وشيئاً فشيئاً تنقضي الابتسامة ويحمرّ وجهها ويتصبّب العرق وتشعر بالإحراج الشديد، ألف عين وعين تحدّق بها وكأنها كائن طفيليّ تحت المجهر، أم العريس وخالته وجدته وأخواته وزوجات أخيه وجارتهم أم علي، جميعهن في منافسة حادّة للتحديق من أعلى الرأس حتى أخمص القدمين.  
شعرت سارة بأنها تذوب ولم تعد تسمع شيئاً أو ترى شيئاً، وبدأت تشعر بالغثيان وكادت تسقط حتى أيقظتها كلمات أم العريس " إحنا يا أم عمر جينا نخطب بنتكم علشان سمعة أبو عمر الطيبة".
عن أي سمعة طيبة يتحدثون؟
لكن عناء الجلسة أتى بثماره فقد نالت سارة إعجاب هيئة المحلفين وتم تحديد موعد الجلسة الثانية.

في هذه الجلسة يتواجه الطرفان، سارة والعريس، وتستمر منافسة التحديق لكن مع متسابقين جدد هذه المرّة، وتجلس سارة صامتة بعد أن صدرت التوجيهات لها بأن تبقى في الغرفة 15 دقيقة لا غير لتتعرف شكل العريس، وتترك مهمة المرافعة واستجواب شخصه المصون لوالدها.

وانتهت الجلسة على خير، وتم تحديد موعد الجلسة الثالثة ولكن بعد أسبوع، وهذا الأسبوع هو الأهم، تشرع فيه العائلات بالتمحيص الدقيق في شخص الآخر، وقد أظهرالعريس إبداعاً منقطع النظير إذ لم يترك باباً إلا وطرقه، سأل عن سارة عند الجيران والأقارب والأصدقاء، حتى أنه تتبع زميلاتها أيام الجامعة ليتحقق من سلوكها القويم. ولم يفلح في أن يجد زلّة واحدة  كانت سارة قد اقترفتها فنالت بذلك حكماً محققاً بالبراءة. 
ومن جهة أخرى أبدع والد سارة في السؤال، وتحقق من نسب العريس وعمله وماله وسلوكه ليصل إلى نتيجة مفادها بأنه عريس جيد. 

والآن أعطيت سارة الفرصة لتفكر وما هي إلاّ أيام قليلة حتى اتخذت قرارها بالموافقة. وبذلك تكون حياة سارة قد وصلت لخط النهاية، فالزواج هو أقصى ما تحلم به وأقصى ما ستتمكن سارة من تحقيقه.

لكن هل اتخذت سارة القرار بناءً على الأسباب الصحيحة؟ بالطبع لا، فعندما شرعت سارة بالتفكير وجدت في الخاطب طوق النجاة من أبيها وإخوتها، فهو تذكرة سفرها نحو الحريّة، فبعد الزواج قد تخرج كما تريد وتتصرف كما تريد ولن تعود مراقبة أو متهمة.

وماذا بعد؟ وكيف تنتهي الحكاية؟ على الأغلب ستصبح سارة مستكينة كأمها وستعامل بناتها كأبيها فهذا ما تربت عليه وهو أقصى ما تعرف، وعلى الأغلب سيكون زوجها امتداداً لأخيها فكل ذكورنا يربّون بنفس الطريقة، وسنظل ندور في هذه الحلقة المفرغة للأبد.



  

07‏/05‏/2010

( ذكور و إناث ) ... خلّيها تموت

أعزائي، في المرة الماضية تحدثت عن حبّ إنجاب الذكور وتفضيلهم، وبعد أن انتهيت، تذكّرت حادثة واجهتها قبل سنوات وأنا ما أزال طالبة في الجامعة، وهي ذات علاقة بالموضوع لذلك أحببت أن أشارككم بها. على فكرة القصة حقيقية وليست من نسج الخيال.

كنت طالبة في جامعة العلوم والتكولوجيا الأردنية، ولمن درس منكم في هذه الجامعة أو زارها يدرك بعد المسافات بين المباني وكبر حجم الجامعة، مما يضطرّ الطالب لركضٍ ماراثوني من مبنى لمبنى للحاق بموعد محاضرته. و 
في يوم من الأيام وعندما كنت في السنة الثانية أو الثالثة لا أذكر بالضبط ، خرجت من إحدى قاعات المحاضرات بسرعة لاتوجه لمحاضرة أخرى في مبنى آخر، فإذا بي ألمح الباص المخصّص لطالبات السكن المقيمات داخل الحرم الجامعي، وبالرغم أنني لم أكن من طالبات السكن إلاّ أنني ركضت وبأقصى سرعة لأركب الباص وأكسب "توصيلة" مجانية وسريعة لمحاضرتي. 
قفزت داخل الباص وكان ممتلئاً ونجحت في أن "أدحش حالي" على درجات الباص الذي كان سينفجر من كثرة البنات ولكن لا بأس المهم التوصيلة، و قبل أن تثبت قدمي على درجات الباص بدأ الباص بالحركة فانكفأت للوراء وكدت أن أسقط  لولا أن قامت إحدى الطالبات بإمساكي من يدي وإنقاذي.

نظرت هذه الطالبة لسائق الباص وقالت: " على مهلك عمّو، ليش مستعجل؟ البنت كانت راح تروح "
فردّ السائق: " خليها تروح، أكيد في غيرها "
لن أخفيكم فقد ضحكت بداية على تعليق السائق، فما كان يعنيه أنّ هناك بنات غيري في البيت وأنني حتى لو مت فهناك من يسدّ مكاني، وفي الحقيقة لم يكن السائق مخطئاً فلي من الأخوات ست!! 

لكن يا ليته توقف عند هذا الحد، فقد أكمل قائلاً: " أنا عندي أربع ولاد وبنت، ما أنا مصدق على الله وتموت "
في هذه اللحظة فزعت ولم أتصور أن يتكلم أب هكذا عن أولاده، فكان لا بد لي من أن أتكلّم وأدافع عن بنات جنسي، فقلت:  " حرام عليك يا عم، ليش بتحكي هيك؟ البنات بيدخلو أهلهم الجنة "
فنظر لي ساخرا وقال " آه الجنة، من وين لوين "
فردّت تلك الطالبة التي أنقذت حياتي " علّمها وربيّها كويس وبتدخل فيها الجنة "
لم يرد السائق لكنه نظر نحونا بنظرة قاتلة ممزوجة بالكراهية والاشمئزاز فآثرنا السكوت خوفاً من أن نموت بحادث أليم  جراء إلقائنا من باب الباص أو أحد شبابيكه. 

كلّما تذكرت هذه الحادثة شعرت بالحزن، فالمسألة ليست حب إنجاب الذكور وتفضيلهم فقط، لكنها تتعدّى ذلك لكره البنات، وكأننا عدنا للجاهلية الأولى.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن واطعمهنّ وسقاهنّ وكساهنّ من جدّته كنّ له حجاباً من النار يوم القيامة)).
و قال : ((لايكون لاحدكم ثلاث بنات أو ثلاث أخوات فيحسن اليهنّ إلاّ دخل الجنة)) .
فلله درّك يا رسول الله ما أبلغك. فلقد قلت "صبر عليهن"، فقد كنت تعلم أنك ستخلّف وراءك أقواماً لا صبر لهم على بناتهم، بل وقد يتجرّدون من كل عاطفة تجاههن.

أعزائي، منذ اليوم الأول الذي بدأت فيه هذه المدونة قلت لكم أنني لست بصدد إصدار المواعظ أو الحكم أنا فقد أريد أن أتحدّث وأنفس عمّا في داخلي، لكن اسمحوا لي هذه المرة بأن أتوجه بهذا الرجاء:
" يا ذكور العالم رفقاً بنا، فنحن والله خلق الله مثلكم، نستحق الحب والتقدير والإحسان، فإن لم تكن دعوة رسول الله لكم  بحسن صحبتنا تكفيكم، فما الذي يكفيكم؟ "

تصبحون على خير.

01‏/05‏/2010

( ذكور وإناث ) عظّم الله أجرك وأحسن الله عزاءك .. المدام جابت بنت

تنويه: قبل أن أبدأ، أعلم أن موضوع الكيل بمكيالين فيما يخص الذكور والإناث موضوع مبتذل و قد كثر الحديث عنه، لكنّه ما زال يزعجني، لذلك سأكتب عنه...

خلف أروقة المستشفى البيضاء وفي إحدى الغرف في قسم المواليد، كانت هيفاء على سرير الولادة تكابد آلام المخاض وتصرخ بأعلى صوتها.. يارب.. يارب.. ترجو منه أن يهوّن عليها وينتهي هذا الأمر بسلام. وبعد عدّة ساعات من المعاناة أنجبت، حمل الطبيب الطفل من ساقيه مقلوباً ورفعه عالياً في الهواء، نظرت هيفاء إلى الطفل ولم تصدّق عينيها، رفعت ظهرها وجلست رغم آلامها وأمعنت النظر، لقد لمحت هيفاء شيئا في وليدها، لمحت تلك العلامة الفارقة التي تميّز الذكور عن الإناث، وأدركت أنها قد أنجبت ولد.. ولد..، أرادت أن تصرخ بأعلى صوتها ولد.. ولد.. لكن الكلمات لم تسعفها، وإذا بها تطلق زغرودة مدوية مجلجلة إهتزت على أثرها جدران المستشفى.
نظر الطبيب باشمئزاز تجاه هيفاء وقال: " عيب عليك "، فيما أغرقت الممرضات في الغرفة بالضحك، لكن هيفاء لم تهتم، فهم لا يعلمون.
لا يعلم الطبيب أن هيفاء أنجبت 4 بنات في 4 سنوات متتالية قبل هذا الولد، وإن لم يكن ولداً فكان لزاماً عليها أن تمرّ بتجربة الحمل مرّة أخرى في العام التالي دون مراعاة للمتاعب التي يمر بها جسدها أو الكآبة التي تغلّف نفسها بعد كل بنت تنجبها. الآن يمكن لهيفاء أن ترتاح قليلاً. ترتاح من ضغط زوجها و من كلمات حماتها اللاّذعة ومن نظرات الأسف والشماتة ممن حولها، الآن آن لهيفاء أن ترتاح قليلاً.
على فكرة، هيفاء تحمل درجة البكالوريوس و تعمل معلمة مدرسة، وزوجها يحمل درجة الماجستير ويعمل في شركة مرموقة.

في الغرفة المجاورة كانت الممرضة منى تمرّ بتجربة الولادة لأول مرّة، فقد تزوّجت منى قبل عام واحد من أحد الممرضين زملائها في المستشفى وهذا هو وليدها البكر، في الخارج كان ينتظر زوجها وأمها وحماتها وأخوات الزوج والزوجة " قبيلة" من المنتظرين لهذا الحدث الجلل. خرج الطبيب من الغرفة وقال: "مبروك.. عروس"، اصفرّ زوجها، وصرخت حماتها غاضبة: " كيف بنت؟ احنا اعملنا تصوير والدكتور حكالنا ولد، وين الولد؟ ".
حاول الطبيب أن يهدّأ من روعها ويقنعها أنّ التصوير قد لا يكون دقيقاً وأن هذا هو الواقع لكن دون جدوى، بل زادت في الصراخ وبدأت تنعته بأقبح الألفاظ وتسبّه وتسبّ المستشفى وعملت " فضيحة "، فما كان من الطبيب أن ركض هارباً ونفد بجلده.

الدكتورة سميحة أستاذة جامعية، أنجبت ولداً واحداً والكثير من البنات، زوجها أحمد رجل أعمال مرموق، كانت أمه دائماً تأسف لحاله وتقول أمام الناس: " مسكين ابني أحمد ما عنده عيال"، على اعتبار أن بناته الكثر لا يعتبرن شيئاً.
زارت الدكتورة سميحة المستشفى ذلك اليوم، وتوجهت صوب غرفة الفحص، أرادت أن تستشير الطبيب في محاولة إنجاب جديدة، فعلى الرغم من أن عمرها قد جاوز ال 46 عاماً، إلاّ أنها مازالت تطمع في إنجاب أخٍ لابنها .

رانيا موظفة الاستقبال في المستشفى، تضع سماعة الهاتف على أذنها وتحدّث بنت خالتها، " مبارح رحت أنا و إمّي نشوف عروس لأخوي، والله حلوة وماشي حالها بس ما عجبت إمّي، العروس إلها 7 خوات غيرها فإمّي حكت ما بدنا إيّاهم هدول خلفتهم كلها بنات.."

أصدقائي الأعزّاء قرّاء هذه المدونة كنت أظنّ أن الناس يتغيرون، لكن علّمتني الحياة أنهم لا يتغيرون و لن يتغيروا، سيظلّ حبّ الذكور هو الغالب، وأمام حبّ الذكور تتحطّم الشهادات والأفكار ويتحطّم المجتمع، لا أدري ما السبب؟ هل جُبِل الناس على تفضيل الذكور؟ لا أدري.. لكني أعلم شيئاً واحداً، أن هذا الأمر واقعٌ وباقٍ ولن ينتهي في زمن قريب.. ورغم كل المحاولات في تعليم الناس أن انجاب البنات في الحقيقة هو مسؤولية الرجل لا المرأة، ورغم كل التعاليم الدينية والبرامج الحوارية والثقافية التي تدعو الناس لبرّ البنات والاحسان لهنّ ونبذ ثقافة المجتمع الذكوري لكن لا جدوى.

قبل أن أنتهي، سأحدثكم عن هيفاء، تذكرونها؟ تلك المعلمة المزغردة التي ظنت أنها سترتاح؟ بعد أن استعادت عافيتها وبدأت باستقبال المهنّئين، دخل عليها زوجها وقال لها: "يلاّ اتشطّري السنة الجاية وجيبيلنا أخوه ..."