12‏/09‏/2013

يوم عادي

إنه الصباح..
أتقلب ذات اليمين وذات الشمال.. أنهض غصباً كي لا يفوتني الوقت.. أرتدي  الثياب على عجل.. السابعة والنصف.. أغادر سيراً على الأقدام فالعمل قريب..
الشوارع تضج بأولاد المدارس.. وأبواق الحافلات.. والأمهات النّعسات.. ورائحة مقلى الفلافل.. أبوعدنان من أحجار المدينة.. موجود هنا منذ الأزل.. وأنا وكل من أعرفهم أكلنا من تلك الفلافل.. وأكلنا نصيبنا من كل الآفات المعدية.. على باب دكانه تختلط أصوات المشترين برنين النقود وقرقعة مذياعه القذر.. بالكاد أميّز الأغنية.. في يوم وليلة.. في يوم وليلة..
أصل العمل..
أول الطقوس سلام ومصافحة لا تنتهي.. الجميع أحياء أموات..
أريد فنجاناً من القهوة..
طلب لن يلبيه لي غيري.. فالعاملون هنا يكتفون بتلبية طلبات الإدارة وشرب الشاي والدخان..
جميع الفناجين متسخة.. أبدأ بالغسيل..
دلّة القهوة هي أقرب للطنجرة في الحجم فالجميع بحاجة لجرعة مضاعفة.. أستنشق رائحة القهوة.. فيتسع صدري ويبدأ مزاجي بالتحسن.. أعود لمكتبي وأنا أدندن.. في يوم وليلة.. في يوم وليلة..
تسمعني إحداهن فتسألني.. خير طربانة على هالصبح.. فيكون جوابي سمجاً كسؤالها.. (بحب).. فترد هي.. ممتاز بس إن شاء الله بفايدة ههههههه.. الإسفين الأول.. الساعة الثامنة والربع..

ليلى تنحني على مكتبها كالأرنب الجريح.. ليلى لاتنتمي لهذا المكان.. فهي من أكلة الأعشاب.. والجميع هنا من اللّواحم .. منذ وصولها قبل سبعة أشهر تعرّضت للمضغ والتمزيق والتشريح والاجترار مرّات ومرّات.. أدعوها لتشاركني فنجاناً من القهوة.. فتوافق على مضض.. المسكينة.. تظن أنني قد أفعل بها شيئاً.. إن صمدت هنا فستصمد عاماً آخر.. على الأكثر..

الآن بإمكاني أن أبدأ العمل.. الشجار الأول.. الثامنة والنصف.. تقريباً في موعده المعتاد.. تتعالى الأصوات.. الموضوع في العادة لا يستحق كل هذا الغضب.. لكنها الفرصة الوحيدة لتلقي كل ما معك من إحباط وقمع وضغط في وجه أحد ما.. أغادر المكان لأنجز ما يتوجّب علي إنجازه.. قد أغيب الساعة أو الساعتين..

أعود لأجد مكتبي مغطىً بأكياس الخضار.. لقد وصلت أم خالد.. الشخص الأهم في هذه المؤسسة.. لا تستقيم الحياة بدونها.. تلبي أي طلب.. الكوسا محفورة وجاهزة.. الملوخية مغسولة ومفرومة.. ناعمة أو خشنة.. والحق يقال.. المرأة نظيفة ومبدعة وسريعة..
مع مرور الوقت تتعالى الأصوات.. قصص ما أزل الله بها من سلطان.. أخبار سخيفة.. كلام معاد.. شكوى.. غيبة.. نفاق.. ضحكات.. نسبة الإنتاج حتى الآن لا تتجاوز الـ 20%.. يتشعب الحديث.. انتقاد لأي شيء وكل شيء.. الروتين.. الغلاء.. العلاقة الجنسية..

تحظى العلاقات الجنسية بمنزلة عالية.. وتناقش أحياناً بتفاصيل مروّعة.. تجرأت يوماً لسؤال والدتي – والأمر بحاجة لجرأة -  فيما إذا كانت العلاقات تناقش هكذا على الملأ يوم كانت هي موظفة قبل خمسة وأربعين عاماً.. فأصيبت بالجزع.. قالت.. إن المرأة كانت تخجل من إظهار حملها.. وإن استطاعت أن تخفيه حتى الولادة فذلك أفضل!

فجأة.. تسمع نداءاً.. هام وهاجل.. أيها الناس.. احتشدوا.. إنه الإفطار الجماعي.. 
يقام هذا الحدث مرتين أو ثلاث أسبوعياً.. مشبع بالألوان والروائح المغرية.. يرفض البعض الاقتراب.. يقسم عليهم الآخرون.. لقمة الشبعان سبعمية.. موضوع الحديث الآن هو الحميات الغذائية..

انتصف النهار.. لا يوجد ما أقوم به.. فعلياً أنهيت المطلوب في أول ساعتين.. الوظيفة الحكومية قاتلة.. لا مجال للمزيد أو الإبداع.. حاول. أنت إما مجنون.. أو مجنون.. إمّا أن تتعرض للاستهزاء.. لماذا تجتهد والراتب باق كما هو؟ أو تتعرض للاستغلال.. حين يصبح الجميع أغبياء وعاجزين وأنت وحدك القادر على فك كل الطلاسم..
كيف أقتل الوقت إذاً.. هاتفي الذكي.. المزيد من القهوة..

ينشغل الآخرون بأعمال السمسرة.. في العمل سماسرة من كل الأنواع.. هناك دوماً شخص ما يعرف شخصاً ما يوفر خدمة ما.. توصيلة.. بطاقة خلوي.. ملابس.. طعام.. حقنة.. استشارة مجانية.. في هذه الفترة من العام ينشط سماسرة البازلاء والفول الأخضر والبامياء.. والملابس الداخلية..

الساعة الآن الثانية إلا ربعاً.. يتململ الجميع.. يستعدون للرحيل.. دفتر التوقيعات مفقود.. المديرة تخفيه.. لن يخرج قبل الثانية.. محاولة للسيطرة أو الشعور بالأهمية..
مكالمة هاتفية متوقعة.. الحجة بتوصيني على أغراض.. أصل السوق.. السوق فاضي مليان.. يضجّ بالمارّة ولا أحد يشتري..

أصل البيت مجلّلة بالعرق والقرف والصداع..
قردان على الباب في استقبالي.. ولد وبنت.. في الرابعة والثانية.. هما ذريّة أخي.. نبتسم.. نتصافح.. يدوم الود بيننا عشر دقائق.. يلحقون بي إلى كل مكان.. يجلسون معي على ذات الكرسي.. يصلّون معي الفروض الخمس.. ينتظرونني على باب الحمّام.. عمتو طوّلتيي!! يأكلون معي من ذات الصحن.. ألف سؤال وسؤال.. نتشاجر.. أطردهم.. أدفعهم عبر الباب الذي يفصل بيننا وبينهم وأغلقه بالمفتاح.. أصرخ فيهم.. لا ترجعوا قبل المغرب..أسمع السباب على طول الدرج صعوداً.. عمتو زفت.. عمتو حمارة..
يسترجع عقلي كل الأحاديث.. يتألم بدني من كثرة اللاعمل.. تهبط علي كل الأثقال..أغفو لمدة قد تطول.. 

بين العصر والمغرب.. زمن الصفاء الروحي والتأمل.. والجلوس تحت ظل الزيتونة الوارفة هو أحلا من الدنيا وما فيها.. قد يرافقني كتاب ما.. أو قد تشغلني فكرة ما.. استمتع بهذه الوحدة.. وتداعبني نسمات المساء الباردة وتأخذني بعيداً.. ويهبط الليل.. زقزقة العصافير العائدة إلى مضاجعها تنذر باقتراب النداء.. حي على الصلاة.. حي على الفلاح..
فجأة..
طرق شديد على الباب وركلات وصراخ.. أعرف هذه النبرة.. أقترب من الباب.. من أنتم؟
فيأتيني الجواب سريعاً ومفحماً.. افتحيلنا.. مش إنتي حكتيلنا المغرب؟
فالأمر محتوم إذاً.. هو صداع وإزعاج حتى ينتصف الليل!

هناك 16 تعليقًا:

  1. هو صداع وإزعاج حتى ينتصف الليل!

    أو حتى ينتهي العمر ..
    المؤمن ماجور بكل شيء حتى الشوكة يشاكها يؤجر بها بمعنى حديثه صلى الله عليه وسلم
    من الممتع أن أجد من يشاكسني حياتي ببرآءة
    وأكثر ما يؤلم مشاكسة اللئام

    يوميات مكبوسه حياة :)

    احترامي وتقديري

    ردحذف
    الردود
    1. أهلا بك يسعدني تواصلك الدائم..

      أحيانا هم ممتعون.. غالبا مزعجون.. وتستمر الحياة ولا تكتمل إلا بهم..
      كل الود والتقدير

      حذف
  2. الجميع أحياء أموات..

    فيكون جوابي سمجاً كسؤالها.. (بحب)..

    نسبة الإنتاج حتى الآن لا تتجاوز الـ 20%..

    لا مجال للمزيد أو الإبداع..

    عمتو زفت.. عمتو حمارة..

    استمتع بهذه الوحدة..

    مش إنتي حكتيلنا المغرب؟

    -
    الحال من بعضه. :)

    ردحذف
    الردود
    1. أنا وأنت وظائف متشابهة.. عائلة متشابهة..
      مصير متشابه؟
      يا رب لأ إن شاء الله مستقبلك رائع :)
      بالمناسبة.. كيفك؟

      حذف
    2. ربما.. الله أعلم :)
      أنا بعدي عم اتنفس.. وصارت اشياء كتير واكتئبت كتير.
      الحمدلله على كل حال. :)

      حذف
  3. كملي
    وكتري دخيييييييييييلك :)

    ردحذف
  4. 20%? - ممتاز

    ------
    من كثرة اللاعمل = :(

    ردحذف
    الردود
    1. هو بالي بالك لو اقدرنا نوصل الـ20% بيكون انجاز.. مرات بحس حالي بروح لأشرب قهوة وأسولف بس ما بعمل إشي والله ولا إشي!!

      حذف
    2. الحل من بعدو صدقيني، إنتاجيية ما في .. بنضحك على حالنا

      على كل حل مرحبا بعودة التدوين :)

      حذف
  5. روتين شبه مشترك, ومناقشات و طوش يوميه بحضرها كمان و لكن مجال شغلي بخليني اضلي لاهية حالي بالشغل و مرات حتى ضاغطه حالي بزياده بالشغل حتى ما احوض معهم.

    كان رده فعل ماما على موضوع الاحاديث و جرئتها نفس ردة فعل خالتو برضه :)

    اما بالنسبة لجزء اللي بنتظروكي عالباب فهاد انا اتمناه....بتمنى اروح الاقي الاطافيل بستنوني , هالشي بنوجد بفترة اجازتهم و بستمتع بكل دقيقه فيه كل شي كلل شي بنعمله سوا "يلا خلصتي ..طولتي...شو بتعملي" هاد مرافق يومي كان :)
    بعد ما يتسهلو بمر بفتره شبه اكتئاب بتخف مع الوقت:(

    ردحذف
    الردود
    1. أنا حكيتلك من قبل خديلك كمن واحد من أحفادنا الـ24 متبرعلك فيهم.. أصلا أنا منهم عندي اكتئاب :(

      حذف
  6. انا وين كنت غايب. من زمان ما قرأت مدونتك والسبب غوغل ريدر. انا بواجه نفس المشكله مع مدونة ويسبر مع اني منضم الى قائمة متابعي المدونه الا انه ما بيصلني اي ايميل لما تكتبوا بوست جديد.

    اسلوبك القصصي رائع جدا.
    " فيكون جوابي سمجاً كسؤالها.. (بحب).. فترد هي.. ممتاز بس إن شاء الله بفايدة ههههههه.. الإسفين الأول"
    بحس الناس بالأردن خايضه حرب مع بعضها. ما حدى بيثق بالثاني والكل بيضرب اسافين.
    بالنسبه للملابس الداخليه التي تباع في المكتب والحوار عن العلاقات الجنسيه بفترض ان المكتب فيه نساء فقط صح؟

    ردحذف
    الردود
    1. والله ما فاتك شي هي أول بوست ينكتب من 5 شهور!

      الناس كلها متشنجة ومشحونة والأسافين تفريغ طاقات :(

      الحمدلله المكان نسائي بحت لهيك ماخدين راحتنا. كنت زمان لما اشوف نقر الكوسا وتفريم السلطة في المسلسلات المصرية أحكي مبالغة وتشويه بس طلع كله وقع بالآخر!!

      شكرا لمرورك ولكلماتك التشجيعية :)

      حذف
  7. الحمدلله على السلامه كيكي
    و كل عام وانتوا بخير ...
    الدوام الحكومي وما ادراك ما الدوام الحكومي!
    واطافيل العيله و ما ادراك ما اطافيل العيله !
    الاتنين ازنخ من بعض :)
    كالعاده ضحكتينا وبكيتينا يا عمتو :)
    ذكرتيني بأولادي لما كانوا يفوتوا معي على الحمام :(
    بعدين كبروا شوي و اقنعتهم انه عيب ولازم اسكر الباب بالمفتاح وهما يضلوا برا ...صاروا يزهقوني وهم واقفين برا .. وطولتي ...رجعت اترك الباب مفتوح واللي بيحب يتفضل براحته ! هههههههههههههههههههههه
    و يا ريتك جارتي كنت بدي اوصيكي على ملوخيه ناعمه :)

    عيشه وبدها تمشي ..بالطول بالعرض بالشقلوب بدها تمشي ....ما تطولي الغيبه ..بليييييييييز :)

    ردحذف
    الردود
    1. الله يسلمك وكل عام وأنت بخير :)
      تصرفات الأطفال وحدة.. وبيتهيألي لو بعطيهم مجال ما عندهم مانع أبدا يدخلوا معي.. هههههههه

      والله الغيبة مش مقصودة.. بس ما بعرف.. يمكن مش لاقية إشي يستاهل أكتب عنه أو يمكن أنا زهقت أو يمكن من كثر ما بشوف حرب ودمار ودم بهالأخبار ما عاد إلي نفس بإشي.. مش عارفة؟

      راح أحاول جهدي ما أطول لإني بجد أشتقتلكم :)

      حذف