20‏/12‏/2010

عيد الكذب..

من منا لا يعرف مسرحية (غُربة) السورية للرائعين دريد لحام ونهاد قلعي وياسر العظمة وصباح الجزائري وغيرهم الكثير .. مسرحية عرضت لأول مرة في السبعينات من القرن الماضي وتكشف هموم المواطن العربي في قالب كوميدي ساخر..
بالنسبة لي فإن أشهد المشاهد إضحاكاً هو المشهد الذي يبتدع فيه أهالي ضيعة غربة عيداً خاصاً للكذب يقدم كل منهم أكذوبته الخاصّة في محاولة منهم للتسرية عن واقعهم المؤلم اجتماعياً وسياسياً..

فخطر لي خاطر.. لو كان عيد الكذب موجوداً.. فما هي الكذبة التي سأرويها؟

احتجت وقتاً للتفكير واشعال الخيال ومن ثم اتضحت لي معالم قصتي الكاذبة..
وسأرويها لكم وأتمنى أن تعجبكم ..
ومن أراد منكم أن يشاركني في هذا العيد بكذبته الخاصة فليفعل.. الدعوة عامة وليست واجبة.. وأنا بانتظاركم..  


((... أغلقت زمام حقيبتي الخضراء.. فتحته مرّة أخرى وتفقّدتها.. إنها المرّة العاشرة التي أتفقدها.. لا شيئ ينقصها.. أغلقتها من جديد..
نظرة أخرى ألقيها على نفسي في المرآة.. أنا مستعدة.. ما زالت معدتي تؤلمني وقلبي يخفق بشدة.. إنها الحماسة نعم الحماسة.. هذا يوم انتظرته طويلاً.. نعم هذا هو السبب. من كان ليصدق؟ ..أنا .. نعم أنا.. أنا الآن من المشاهير! يااااه.. من كان ليصدق وأنا قبل عقد من الزمان لم أكن سوى فتاة بائسة من قلم وحلم واليوم أصبحت من المشاهير.. ياااه... أتذكر يوم كتبت قصتي الأولى ويوم طبعت كتابي الأول... في أشهر حققت نجاحات منقطعة النظير.. بعت مليارات النسخ الورقية والإلكترونية.. كيف لا وقومي الأعراب يعشقون وحي القلم ويقرؤون بنهم.. كانوا يهتفون لي لأكتب من جديد..

كتبت وكتبت .. ترجمت رواياتي .. تهافتت دور النشر في عروضها (بينغوين، وايتمان، لونغمان) وبعد بضع سنين وجدت سبيلها للمسرح والسينما الرّاقية.. ترشحت للمهرجانات المحلية والعربية: مهرجان النيل الأخضر وسبأ اليماني.. وكذا المهرجانات العالمية.. واليوم أنا في " كــــان "!
من كان ليصدق؟ أنا في موعد مع فرنسا؟ لكن ليس غريبا... فهي هكذا دوماً أحلام العصاميين لابد أن تتحقق ..
لقد اجتزت الطريق الأمثل.. وأنا قد كدت أحيد عن هذا الطريق... لو اتبعت ذاك الوكيل وصدقته هل كنت هنا اليوم.. لا.. بالطبع لا.. كم حاول أن يقنعني أن أستغل طولي الفارع البالغ 180سم و وزني المثالي البالغ 50كغم... قال لي ستصبحين أروع عارضة للأزياء.. لكنني رفضت.. فحلم الكتابة يؤرقني .. وها هو قد أفضى بأن يصبح أحلى حلم وأنجح حلم... كم كان سخيفاً لو استبدلت الحلم العظيم بالمال الوفير... ها.. من يفعل هذا؟

وبعد.. لم تشعرين بالتوتر؟ ما زال هناك وقت.. ستقلع الطائرة بعد 8 ساعات ولن تفوتك.. ستصلين في الوقت المناسب.. لا تقلقي..
ربما لن ينجح الفيلم.. فالمنافسة شديدة.. الأفلام العربية دائماً في منافسة طاحنة مع الأفلام الصينية..

لا تكذبي على نفسك.. لا شيء من ذاك يشعرك بالتوتر.. أنت تعرفين مصدر هذا الألم في معدتك.. إنه الخوف من لقائه.. نعم أنا خائفة.. هل سأنال إعجابه يا ترى؟

جواد.. كم جاد علي بكلماته وعباراته.. من أشد المعجبين بي والمتابعين لي.. لا يمضي يوم إلا ويطمئن علي برسالة قصيرة أو مطولة.. ولا يطمئن بالي إن لم أرسل له سلاماً ... بدا من كلامه فيلسوفاً وعارفاً وشجاعاً.. لكنني لم أره حتى الآن.. ولم يلمحني هو .. واليوم موعدنا...

هل كان علي أن أواعده في هذا اليوم بالذات؟
نعم.. لابد أن أنتهي من هذا الأمر اليوم..
إما أن أسافر مملوءة بالأمل أو جريحة الفؤاد..
لم يتبق وقت.. موعدنا بعد ساعة..
نظرة أخرى ألقيها على نفسي في المرآة... هل سأعجبه يا ترى؟ 
مشيت بخطوات متثاقلة.. وقلبي يخفق بشدة.. موعدنا في الحديقة عند المقعد الأخضر.. هل سأنال إعجابه؟

وصلت.. دخلت باب الحديقة.. لمحته من بعيد.. اقتربت واقتربت.. عرفني وعرفته حتى قبل أن أصل إليه..
بدا الطريق طويلاً...
وصلت وها أناذا أقف أمامه... بدا مثالياً حقاً... أسمر البشرة أسود الشعر والعينين.. وراح قلبي يخفق بشدة.. ابتسم لي ...

- أن أأ أ أنا... ( لم أعد قادرة على إخراج الحروف.. )
- أنا أعرف من أنت.. أنا كنت بانتظارك.. بانتظار هذا اليوم منذ زمن.. 
- هل أعجبتك؟  ( قلتها هكذا بجرأة وعفوية وبسرعة.. دون التفكير بالعواقب...)
اتسعت ابتسامته..
- منذ زمن بعيد.. كل ما فيك أعجبني.. منذ أول حرف كتبته وأنا قرأته...ألا تعلمين أن جلّ ما ينشده الرجل في المرأة هو شخصيتها؟
- كلامك يعجبني ...
- لأنه صادق !
- أريد أن أمضي المزيد من الوقت معك، لكن علي أن أسافر.. سأعود بعد أسبوع..
- أعرف ذلك.. سأكون بانتظارك..
- أين؟
- في نفس هذا المكان وفي نفس الوقت عند هذا المقعد... ))