‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالات. إظهار كافة الرسائل

24‏/07‏/2012

وصفة علاجية للنفس البشرية

يقول الإمام جعفر الصادق (رحمه الله):

عجبت لمن أدركه الخوف ثم لم يفزع لقول الله تعالى (حسبنا الله ونعم الوكيل) آل عمران:173،
لأني سمعت الله يعقبها بقوله (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء)آل عمران:174.  

وعجبت لمن اغتمّ ولم يفزع لقول الله تعالى (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) الأنبياء: 87
لأني سمعت الله يعقبها بقوله (فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) الأنبياء:88

وعجبت لمن مُكـِرَ به ولم يفزع لقول الله تعالى (وأفوّض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) غافر:44
لأني سمعت الله يعقبها بقوله (فوقاه الله سيئات ما مكروا) غافر:45

وعجبت من طلب الدنيا و زينتها ولم يفزع لقول الله تعالى (ما شاء الله لا قوة إلا بالله) الكهف: 39
لأني سمعت الله يعقبها بقوله (إن ترن ِأنا أقل منك مالا وولدا، فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك) الكهف: 39-40
(ويقصد الإمام جعفر الصادق من ذلك: أنك متى جرّدت نفسك من حولك وقوة حيلتك وأسبابك، وتركت الأمر كله لله القادر على كل عطاء، أتتك الدنيا مهرولة)

19‏/07‏/2012

من خواطر الشعراوي

( فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ) سورةالبقرة-251

إن الحق يأتي هنا بقضية كونية في الوجود، وهي أن الحرب ضرورة اجتماعية، وأن الحق يدفع الناس بالناس. وأنه لولا وجود قوة أمام قوة لفسد العالم؛ فلو سيطرت قوة واحدة في الكون لفسد.

فالذي يعمر الكون هو أن توجد فيه قوى متكافئة؛ قوة تقابلها قوة أخرى. ولذلك نجد العالم دائما محروسا بالقوتين العظميين، ولو كانت قوة واحدة لعم الضلال. ولو تأملنا التاريخ منذ القدم لوجدنا هذه الثنائية في القوى تحفظ الاستقرار في العالم.

في بداية الإسلام كانت الدولتان العظميان هما الفرس في الشرق، والروم في الغرب. والآن سقطت قوة روسيا من كفة ميزان العالم، وتتسابق ألمانيا واليابان ليوازنا قوة أمريكا.

إن قول الله تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض) جاء تعقيبا على قصة الصراع بين بني إسرائيل وبين أعدائهم الذين أخرجوهم من ديارهم وعندما نتأمل هذه القصة من بدايتها نجد أنهم طلبوا أولا من الله الإذن بالقتال. وبعث الله لهم ملكا ليقاتلوا تحت رايته؛ وكانت علامة هذا الملك في الصدق أن يأتي الله بالتابوت. ثم جاءت قضية اجتماعية ينتهي إليها الناس عادة بحكيم الرأي ولو بدون الوحي، وهي أن الإنسان إذا ما أقبل على أمر يجب أن يعد له إعداداً بالأسباب البشرية، حتى إذا ما استوفى إعداده كل الأسباب لجأ إلى معونة الله، لأن الأسباب كما قلنا هي من يد الله، فلا ترد أنت يد الله بأسبابها، لتطلب معونة الله بذاته، بل خذ الأسباب أولا لأنها من يد ربك.

ويعلمنا الحق أيضا أن من الأسباب تمحيص الذين يدافعون عن الحق تمحيصا يبين لنا قوة ثباتهم في الاختبار الإيماني؛ لأن الإنسان قد يقول قولاً بلسانه؛ ولكنه حين يتعرض للفعل تحدثه نفسه بألا يوفي، وقد نجح قلة من القوم في الابتلاءات المتعددة. وفعلا دارت المعركة؛ وهزم هؤلاء المؤمنون أعداءهم، وانتصر داود بقتل جالوت.

إذن فتلك قضية دفع الله فيها أناسا بأناس، ويطلقها الحق سبحانه قضية عامة (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض)، فالدفع هو الرد عن المراد، فإذا كان المراد للناس أن يوجد شر، فإن الله يدفعه. إذن فالله يدفع ولكن بأيدي خلقه، كما قال سبحانه: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ) التوبة: 14.
إنه دفع الله المؤمنين ليقاتلوا الكافرين، ويعذب الحق الكافرين بأيدي المؤمنين. وعندما نتأمل القول الحكيم: (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض) فإننا نجد مقدمة سابقة تمهد لهذا القول، لقد أُخرجوا من ديارهم وأبنائهم، فكان هذا هو مبرر القتال. وتجد آية أخرى أيضا تقول: (الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا الله وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)الحج: 40.

والسياق مختلف في الآيتين، السياق الذي يأتي في سورة البقرة عن أناس يحاربون بالفعل، والسياق الذي يأتي في سورة الحج عن أناس مؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا وهم المستضعفون من مكة لينضموا إلى أخوتهم المؤمنين في دار الإيمان ليعيدوا الكرة، ويدخلوا مكة فاتحين.

صحيح أننا نجد وحدة جامعة بين الآيتين. وهو الخروج من الديار. إذن فمرة يكون الدفاع بأن تَفِرَّ لَتِكِرّ.. أي أن تخرج من ديار الكفر مهاجراً لتجمع أمر نفسك أنت ومن معك وتعود إلى بلدك مقاتلاً فاتحاً، ومرة يكون الدفاع بأن تقاتل بالفعل، فالآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها هنا تفيد أنهم قاتلوا بالفعل، والآية الثانية تفيد أنهم خرجوا من مكة ليرجعوا إليها فاتحين، فالخروج نفسه نوع من الدفع، لماذا؟ لأن المسلمين الأوائل لو مكثوا في مكة فربما أفناهم خصومهم فلا يبقى للإسلام خميرة، فذهبوا إلى المدينة وكوّنوا الدولة الإسلامية ثم عادوا منتصرين فاتحين: (إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح) النصر: 1

إن السياق في الآيتين واحد ولكن النتيجة تختلف، هنا يقول الحق: (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض)لماذا تفسد الأرض؟ لأن معنى دفع الله الناس بعضهم ببعض أن هناك أناساً ألفوا الفساد، ويقابلهم أناس خرجوا على من ألف الفساد ليردوهم إلى الصلاح.
ويعطينا الحق سبحانه وتعالى في الآية الثانية السبب فيقول: (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً) الحج: 40. 
والصوامع هي ما يقابل الآن الدير للنصارى وكانوا يتعبدون لله فيها، لأن فيه متعبداً عَمِلَ بالتكليف العام؛ ومتعبداً آخر قد ألزم نفسه بشيء فوق ما كلفه الله به. فالذين يعبدون الله بهذه الطريقة يجلسون في أماكن بعيدة عن الناس يسمونها الصوامع، وهي تشبه الدير الآن. والمعنى العام في التعبد للنصارى هو التعبد في الكنائس وهو المقصود بالبيع، والمعنى الخاص هو التعبد في الصوامع.
إذا (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ) هذه لخاصة المتدينين، وكنائس أو بيع لعامة المتدينين. وقول الحق: (وَصَلَوَاتٌ)، من صالوت، وهي مكان العبادة لليهود، و(وَمَسَاجِدُ) وهي مساجد المسلمين.

إن قوله تعالى: (لَفَسَدَتِ الأرض) في هذه الآية، وقوله تعالى هناك (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ) أي أنه ستفسد الأرض إذا لم تقم الصوامع والبيع والصلوات والمساجد؛ لأنها هي التي تربط المخلوق بالخالق. وما دامت تلك الأماكن هي التي تربط المخلوق بالخالق فإن هدمت.. يكون الناس على غير ذكر لربهم وتفتنهم أسباب الدنيا.

فالأديرة والكنائس والصوامع حين كانت والمساجد الآن هي حارسة القيم في الوجود، لأنها تذكرك دائما بالعبودية وتمنع عنك الغرور، وهي من السجود الذي هو منتهى الخضوع للرب، نخضع بها لله خمس مرات في اليوم والليلة؛ فإن كان عند العبد شيء من الغرور لابد أن يذوب، ويعرف العبد أن الكون كله فضل من الله على العباد؛ فلا يدخلك أيها المسلم شيء من الغرور.
فإذا لم يدخلك شيء من الغرور استعملت أسباب الله في مطلوبات الله. أما أن تأخذ أنت أسباب الله في غير مطلوبات الله فهذه قحة منك. فإذا كان الله قد أقدر يدك على الحركة فلماذا تعصى الله بها وتضرب بها الناس؟ والله أقدر لسانك على الكلام، فلماذا تؤذي غيرك بالكلمة؟ إن الله قد أعطاك النعمة فلا تستعملها في المعصية.

قال الله تعالى في هذه الآية: (لَفَسَدَتِ الأرض) وشرح ذلك في قوله تعالى: (وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً) فهذه الأماكن هي التي تبقى أصول القيم في التدين. (وأصول القيم في التدين) غير (كل القيم في التدين)، ولذلك نحن قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى جعل للإسلام خمسة أركان، وهي التي بني عليها الإسلام. ولابد أن نقيم بنيان الإسلام على هذه الأركان الخمسة، فلا تقل: إن الإسلام هو هذه الأركان الخمسة، لا؛ لأن الإسلام مبني عليها فقط فهي الأعمدة أو الأسس التي بني عليها الإسلام. فأنت حين تضع أساسا لمنزل وتقيم الأعمدة فهذا المنزل لا يصلح بذلك للسكن، بل لابد أن تقيم بقية البنيان، إذن فالإسلام مبني على هذه الأسس.

والحق سبحانه وتعالى يوضح ذلك فيأمر بالمحافظة على أماكن هذه القيم؛ لأن المساجد ونحن نتكلم بالعرف الإسلامي هي ملتقى فيوضات الحق النورانية على خلقه، فالذي يريد فيض الحق بنوره يذهب إلى المسجد. إذن لكيلا تفسد الأرض لابد أن توجد أماكن العبادة هذه، فمرة جاء الحق بالنتيجة ومرة جاء بالسبب.

ولماذا يدفع الله الناس بعضهم ببعض؟ لأن هناك أناساً يريدون الشر وأناساً يريدون الخير، فمن يريد الشر يدفع من يريد الخير، وإذا وقعت المعركة بهذا الوصف فإن يد الله لا تتخلى عن الجانب المؤمن الباحث عن الخير، فهو سبحانه القائل: (وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الحج: 40

أي إن المعركة لا تطول. ولذلك قلنا سابقا: إن المعارك التي نراها في الكون لا نجد فيها معركة بين حقين؛ لأنه لا يوجد في الوجود حقان، فالحق واحد، فلا يقولن أحد: إنه على حق وخصمه على حق. لا، إن هناك حقاً واحداً فقط. والمعركة إن وجدت توجد بين حق وباطل، أو بين باطل وباطل. والمعركة بين الحق والباطل لا تطول؛ لأن الباطل زهوق. والذي يطول من المعارك هي المعارك بين الباطل والباطل؛ فليس أحدهما أولى بأن ينصره الله. فهذا على فساد وذاك على فساد، وسبحانه يدك هذا الفساد بذاك الفساد. وحين يندك هذا الفساد بذاك الفساد، فجناحا الفساد في الكون ينتهيان. ويأتي من بعد ذلك أناس ليس عندهم فساد ويعمرون الكون.
والمعارك التي تدور في أي مكان تجد أن هذا الطرف له هوى والآخر له هوىً مختلف.

ولا يقف الله في أي جانب منهما؛ لأنه ليس هناك جانب أحق بالله من الآخر؛ لذلك يتركهم يصطرع بعضهم مع بعض، ومادام الحق قد تركهم لبعضهم البعض فلابد أن تطول المعركة. ولو كان الله في بال جانب منهم لوقف سبحانه في جانبه. وكذلك نرى في معارك العصر الحديث أن المعركة تطول وتطول؛ لأننا لا نجد القسم الثالث الذي جاء في قوله سبحانه: (وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُواْ التي تَبْغِي حتى تفياء إلى أَمْرِ الله فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين) الحجرات: 9
إن الحق سبحانه وتعالى يأمر عند اقتتال طائفتين من المؤمنين أن يصلح بينهما قوم مؤمنون، فإن تعدت إحداهما على الأخرى، ورفضت الصلح فالحق يأمر المؤمنين بأن يقاتلوا الفئة التي تتعدى إلى أن ترجع إلى حكم الله، فإن رجعت إلى حكم الله فالإصلاح بين الفئتين يكون بالإنصاف؛ لأن الله يحب العادلين المنصفين.

ونحن نجد الباطل يتقاتل مع الباطل؛ لذلك لا نجد من يصلح بين الباطلين، بل نجد أهواءً تتعارك، وكل جانب ينفخ في الطائفة التي تناسب هواه.
وهذه هي الخيبة في الكون المعاصر؛ إن المعارك تطول لأنه ليس في بال المتقاتلين شيء جامع، ولو كان في بالهم شيء جامع، لما حدثت الحرب. وماداموا قد غفلوا عن هذا الشيء الجامع، فمن المفروض أن تتدخل الفئة القادرة على الإصلاح، ولكن حتى هؤلاء لم يدخلوا للإصلاح، وهذا معناه أن الخيبة في العالم كله. وسيظل العالم في خيبة إلى أن يرعووا ويرتدعوا. إنهم يطيلون على أنفسهم أمد التجربة وسيظلون في هذه الخيبة حتى يفطنوا إلى أنه لا سبيل إلى أن تنتهي هذه المشاكل إلا أن يرجعوا جميعاً عن أهوائهم إلى مراد خالقهم.

(وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض)، نعم تفسد الأرض فيما جعل الله للإنسان يداً فيه، أما الشيء الذي لم يجعل الله للإنسان يداً فيه فستظل النواميس كما هي لا يؤثر فيها أحد، فلا أحد يؤثر في الشمس أو القمر أو الهواء أو المطر، إنما الفساد جاء فيما للإنسان فيه يد.
انظر إلى الكون، إنك تجد المسائل التي لا دخل للإنسان فيها مستقيمة على أحسن ما يكون، وإنما يأتي الفساد من النواحي التي تدخل فيها الإنسان بغير منهج الله. ولو أن الإنسان دخل فيها بمنهج الله لاستقامت الأمور كما استقامت النواميس العليا تماما.
في سورة الرحمن قوله تعالى: (والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان) الرحمن: 7
ومادام الحق قد رفع السماء ووضع الميزان، فالسماء لا تقع على الأرض والنظام محكم تماما، الشمس تطلع من الشرق وتغرب في الغرب، والقمر والنجوم تسير في منتهى الدقة والإبداع، لأنه لا دخل لأحد من البشر فيه.
فإن أردتم أن تصلح حياتكم، وأن تستقيم أموركم كما استقامت هندسة السماء والأرض فخذوا الميزان من السماء في أعمالكم، واتبعوا القول الحق: (والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان) الرحمن: 7-9

ومادمتم قد رأيتم أن الأمور الموجودة التي تسير بنظام لا تتحكمون فيه تعمل باستقامة وترون أن الفساد قد جاء من ناحية الأمور التي دخلتم فيها، فلماذا لا نتبع منهج الله في الأمور التي لنا دخل فيها؟ إنك إن عملت في الحياة بمنهج الله الذي خلق الحياة فإن أمورك تستقيم لك كما استقامت الأمور العليا في الكون. واحفظ جيداً قوله تعالى: (والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان) الرحمن: 7-8
ليحفظ كل منا هذا القول لنعرف أن الأمور العليا موزونة لأن يد الإنسان لا تدخل فيها. إن السماء لا تقع على الأرض لأنها محكومة بنظام محكم تماماً.
والأرض لا تدور بعيداً عن فلكها؛ لأن خالقها قد قدر لها النظام المحكم تماماً. ولهذا يقول الحق سبحانه عن نظام الكواكب في الكون: (لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) يس: 40.

إنه نظام دقيق محكم لأنه لا دخل للإنسان فيه. اصنعوا ميزاناً في كل الأمور التي لكم فيها اختيار حتى لا تطغوا في الميزان.

ومادام الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان ومنحه الاختيار، وبعض الناس اختار مذهباً، والبعض الآخر اختار مذهبا مضادا، وكلٌّ من المذهبين خارج عن منهج الله، فالحق سبحانه وتعالى يترك الفئتين للتقاتل والتناحر. ولأنه سبحانه ذو رحمة على العالمين، يبقى عناصر الخير في الوجود، لعل أحداً يرى ويتنبه ويتلفت ويذهب ليأخذها. فعندما تطغى جماعة يأتي لهم الحق بجماعة يردونهم، حتى تبقى عناصر الخير في الوجود لعل إنساناً يأتي ليأخذ عنصراً منها يحرك به حياته، وصاحب الخير إنما يأتي من فضل الله على العالمين.

25‏/01‏/2012

أدب العنصريّة

العنصرية، ليست بالمفهوم الغريب، فما أن تطرق مسامعنا هذه الكلمة حتى نتذكر العبودية وسوء معاملة الأبيض للأسود، والافتراض أن جماعة من الناس هم أدنى منك شأناً أو فهماً أو أخلاقاً لمجرد أنهم ينتمون لعرق ما أو وطن ما. 
لكن من المستغرب كم يضج الأدب العالمي بالمفاهيم العنصرية، من خلال شخوصه أو أحداثه، هذا الأدب الذي يتوارث جيلاً بعد جيل على أنه من الروائع، وهو في الحقيقة بحاجة لوقفة صغيرة منا وتأمله أكثر عن كثب.

انهيت مؤخراً قراءة رواية "مرتفعات ويذرنغ" للكاتبة إميلي برونتي، والتي تعد طبعاً من روائع الأدب الإنجليزي، ولدي معرفة مسبقة بالقصة لكن من خلال الفيلم الذي يحمل نفس الاسم. لكن قراءة الرواية بالطبع وضحت الكثير من التفاصيل وأعطت الكثير من الوصف الذي لا يتسع الفيلم لسرده. 

أحد الشخوص الرئيسية في الرواية "هيثكليف" والذي كان سببا في شقاء بقية الشخوص الأخرى، وكان نزّاعاً إلى الانتقام والظلم، هو في الأصل فتىً (غجري) مشرّد وجده السيد الأبيض هائماً على وجهه بلا اسم ولا عائلة، عطف عليه وأسكنه بيته وأحب هذا المشرّد ابنة السيد ولم يستطع الحصول عليها فسعى للانتقام من جميع أفراد العائلة عبرالأجيال المتعاقبة، حتى أنّ هذا الانتقام طال ابنه.

تصفه الكاتبة بالشر وبأنه شيطان واختارت لهذه الشخصية القالب المناسب، ليس أبيض البشرة بل (غجرياً) أسمر البشرة أسود الشعر والعينين، يرفض التعليم بعد موت سيّده، لا علاقة له بالدين أو الكنيسة، ويهيم طول اليوم في الحقول ويعود للمنزل قذراً، ويبدو أن الكاتبة تعتقد أن هذا النوع من البشر لا يتجسّد إلاّ في الغجر!

بالتأكيد تتذكرون "مغامرات توم سوير" للكاتب الأمريكي مارك توين، أغلبنا شاهد المسلسل الكرتوني الشهير في الطفولة وإن لم نقرأ الكتاب والذي يعتبر من روائع الأدب الأمريكي، وتتذكرون مغامراته الشيّقة مع صديقه هاك وصديقته بيكي، والهروب من المدرسة والبحث عن الكنز، المسلسل كان ممتعاً بصراحة.

في بعض حلقات المسلسل تظهر شخصية مرعبة، "إنجان جو"، وهو قاتل ولص ومطلوب للعدالة ويرتعد توم وهاك خوفاً عندما يظهر في القرية. وهذا الرجل كما يظهر في الكتاب من السكان الأصليين (هندي أحمر)، وكونه يحمل دماً هندياً في عروقه فهذا يفسر ببساطة كونه القالب المناسب للقتل واللصوصية.
 
كنت أعتقد أن اسم الشخصية كاملاً هو"إنجان جو" أو "injun joe"، ولكن وبعد بحث بسيط اكتشفت أن كلمة "injun" هي كلمة عنصرية ينعت بها السكان الأصليون مثل كلمة زنجي "nigger" التي كان ينعت بها العبيد الأفارقة.


17‏/10‏/2011

واقع التعليم في الأردن.. أبرز المشاكل والتحديات

هذه التدوينة هي واجب تدويني وصلني من الأخ محمد متولي صاحب مدونة رحلة حياة، لنتحدث فيها عن واقع التعليم في العالم العربي وما يواجهه من صعوبات ومشاكل. 
  
المشكلة الأبرز.. اكتظاظ الغرف الصفية: 


أصعب مشكلة تواجهها المدارس الحكومية لهذا العام امتلاء الغرف الصفية بالطلبة لحد صار لا يطاق، فقد وصلت الأعداد في عدد من المدارس لـ 50 أو 55 أو 60 طالباً في غرفة صفية محدودة المساحة، مما يساهم في زيادة معاناة كل من الطالب والمعلم، فخنق هذه الأعداد من الطلبة يساهم في مضاعفة الفوضى وصعوبة السيطرة على الطلبة وانخفاض جودة التعليم.
   
تعود جذور المشكلة لازدياد عدد الطلبة بسرعة تفوق سرعة بناء المدارس، فبالإضافة للزيادة المضطردة للسكان فقد اضطرت المدارس الحكومية لاستقبال الألوف من الطلبة من أبناء المغتربين العائدين بعد حرب الخليج الثانية عام 1991م، واستقبال أبناء اللاجئين العراقيين بعد حرب العراق عام 2003م ، واستقبال عشرات الألوف من المنقولين من المدارس الخاصة في الأعوام (2007-2011) وذلك بسبب غلاء المعيشة وارتفاع أقساط المدارس الخاصة بشكل مبالغ فيه يتجاوز قدرة الأهل. بالإضافة لاستقبال بعض من أبناء اللاجئين السوريين في بعض المدن بداية العام الدراسي الحالي. 

يساهم أيضاً في مضاعفة المشكلة صعوبة بناء المدارس لتتوافق مع أعداد الطلبة لارتفاع كلفتها التي قد تصل لمليون دينار أحياناً والحاجة طبعاً لمزيد من المعلمين يضاعف الكلفة، وسوء توزيع المدارس وخاصة الثانوية منها، ففي بعض الأحيان تتواجد العشرات من القرى والأحياء التي لا يوجد بها أي مدرسة ثانوية، أو توجد بها مدرسة لكنها توفر التعليم الأكاديمي لا المهني، أو أنها توفر أحد الفروع كالفرع الأدبي ولا توفر الفرع العلمي مثلاً، مما يضطر هؤلاء الطلبة لارتياد مدارس في أماكن أخرى مما يزيد من أعداد الطلبة في هذه المدارس بشكل كبير جداً.

هذه المشكلة خلقت الكثير من التبعات السلبية، فبعض المدارس تعمل بنظام الفترتين (الصباحي-المسائي) لاستحالة استقبال جميع الطلاب ضمن فترة واحدة، وإن كان عدد هذه المدارس قليل جداً في النظام الحكومي، إلاّ أنّ جميع مدارس وكالة الغوث الدولية تعتمد هذا النظام لارتفاع عدد الطلاب فيها.
كما يوجد في بعض المدارس الحكومية ما يعرف بـ (الصف الدوّار) وهو عبارة عن مجموعة من الطلاب ليس لهم غرفة صفية، مما يعني أن عليهم قضاء اليوم في الدوران من حصة لحصة بحثاً عن مرفق فارغ لأخذ الدرس كمختبر العلوم أو الحاسوب أو أي غرفة صفية تصبح شاغرة خلال أحد الحصص عند ذهاب طلابها لحصة الرياضة أو المختبر، ولك أن تتخيل مدى العبء وعدم الاستقرار الذي يشعر به الطالب وهو مضطر لحمل حقيبته على ظهره طول اليوم منتقلاً من غرفة لغرفة.


مشكلة المنهجية واللاّمنهجية:

صعوبة المناهج وضخامتها وحشو المعلومات الهائل، هي مسألة لا يختلف عليها إثنان، ولتزيد وزارة التربية والتعليم الطين بلّة قامت بإضافة مناهج تدريسية لمادة التربية المهنية والتي هي أصلا مادة تطبيقية عملية وكانت تعتبر ملاذاً للطالب ليرتاح من عناء الحصص الأكاديمية، كما أقرت الوزارة منهاج اللغة الفرنسية لطلبة الصفوف الأساسية الثامن والتاسع والعاشر في المدارس الحكومية، فمثلا طالب في الصف العاشر في مدرسة حكومية ملزم بدراسة 14 كتاباً دراسياً مختلفاً ( عربي، انجليزي، فرنسي، دين، رياضيات، فيزياء، كيمياء، علوم أرض، أحياء، جغرافيا، تاريخ، تربية وطنية، حاسوب، تربية مهنية)، بالإضافة للتربية الفنية والرياضية. وماذا يترتب على ذلك؟
زيادة عدد الحصص لتتلاءم مع ضخامة المنهج وعدد المواد وامتلاء اليوم الدراسي حتى آخر رمق، فيصل عدد حصص اليوم الواحد لسبعة أو ثمانية حصص متتالية يبدأ الدوام فيها من الساعة الثامنة حتى الثالثة إلا ربعاً تتخللها استراحة الفرصة التي لا تتجاوز 20-25 دقيقة!
بالإضافة لعدد هائل من الامتحانات، فالطالب يتقدم بـ 2 امتحان نظري و2 أنشطة تقييمية  لكل مادة في كل فصل أي ما يقارب 60 امتحاناً وتقييماً في الفصل الواحد لطالب الصف العاشر مثلا.
وفي هذا اليوم الدراسي المشحون كيف سيتسنى للطالب القيام بأي من الأنشطة اللامنهجية كالرياضة والرسم والعزف والمسرح وغيره؟ وبذلك فالطالب أمام خيارين، إما أن يقضي ليله ونهاره في الدراسة على حساب الأنشطة اللامنهجية أو يهتم بها على حساب دراسته! وكم من الإبداعات تقتل من أجل هذا السبب!


تحديات التعليم الثانوي.. الأكاديمي والمهني:


كان التعليم الثانوي في الماضي يقتصر في فروعه الأكاديمية على فرعي العلمي والأدبي، ومؤخرا تم استحداث فروع جديدة، كالتعليم الشرعي والصحي والإدارة المعلوماتية، وهذه الفروع ذات خصوصية في مناهجها، وهي تلاقي إقبالاً واضحاً من الطلبة، حتى أن بعض المتفوقين بدأ يلجأ لها ليحصل على معدلات عالية جداً لن يستطيع الحصول عليها لو درس الفرع العلمي مثلاً. وبإمكان طلاب هذه الفروع التنافس مع باقي الطلبة على معظم التخصصات الجامعية (باستثناء الطب- الصيدلة- الهندسة والتي تظل حكراً على طالب الفرع العلمي). 
وهذا سبّب أزمة في قبولات الجامعات وارتفاع معدلات القبول لبعض الفروع لأرقام قياسية تفوق المعتاد فخلال السنوات الثلاث الماضية ارتفع معدل قبول تخصص المحاسبة مثلا في أحد الجامعات من 88% إلى 92% وهذا يعتبر تغيراً كبيراً ومرعباً، ويحرم الكثيرين من الحصول على مقعد جامعي يتناسب مع رغباتهم وقدراتهم التحصيلية.    


بالنسبة للتعليم المهني والذي يضم فروعاً تطبيقية ( صناعي، فندقي، خياطة، تجميل، تربية طفل...) وكي يتسنى للطالب أن يكمل تعليمه الجامعي، فعليه أن يدرس مناهج إضافية في الأحياء والكيمياء، مع العلم أن طلاب الفروع المهنية يلجؤون لها هرباً من صعوبة المواد الأكاديمية ولضعف تحصيلهم العلمي، فلماذا هذا التعقيد؟ 
إضافة لذلك فإن عليه أن يتنافس مع جميع الطلبة (الأكاديمي والمهني) على المقاعد الجامعية وكل حسب معدله، وطالب الفرع المهني هو الخاسر على الأغلب لأن معدله في العادة أقل من غيره.
ألا يمكن تخصيص عدد معين من المقاعد الجامعية لبعض التخصصات المناسبة لطلاب الفروع المهنية ليتنافسوا عليها فيما بينهم وبدون الشروط أوالمواد الإضافية؟


هذه بالنسبة لي هي أبرز المشاكل والتحديات التي يواجهها نظامنا التعليمي، والتي أظن أنها عميقة ومتجذرة وصعبة وبحاجة لدراسة مطولة وحلول مكلفة جداً، وأظن أن سياستنا التعليمية في تخبّط وكلما أقترحت سياسات تطويرية جديدة فعلى الأغلب يزداد الأمر سوءاً، وأتخيل أن واقع تعليمنا قبل 20 سنة مضت كان أفضل حالاً !

02‏/06‏/2011

بنو آدم إخوة !

أمر بديهي... فكلنا إخوة..
أبونا آدم الذي خلق من أديم الأرض وأمنا حواء التي خلقت من ضلعه الحي.. ومنهما كان العالم..
وقد أثبت العلم اليوم صحة هذا الأمر وأكده، وإن كنا مؤمنين به ولسنا ننتظر الدليل، لكن في الدليل طمأنة للقلوب المؤمنة وحجة على المنكرين الذين تخلوا عن الأديان، ولم يصدقون إلا بسلطان العلم.

في الوثائقي "بنو آدم إخوة" والذي يعرض على قناة ناشونال جيوغرافيك أبوظبي خلال شهر حزيران، قام عالم الوراثة الدكتور سبنسر ويلز بفحص الحمض النووي ل 350 ألف شخص حول العالم، واكتشاف تطابق بين البشر في الحمض النووي يصل إلى 99,9% ليثبت بذلك أن كل البشر إخوة وهم أبناء رجل واحد! 

وليس هذا فحسب، فقد قادته هذه الأدلّة إلى اكتشاف نظرية ثورية حول رحلة الجنس البشري وانتشاره عبر كوكب الأرض.. هي نظرية ثورية لأنها تثبت أن أقدم البشر هو الإنسان الإفريقي!

تتلخص هذه النظرية بما يلي:
منشأ البشرية بدأ من إفريقيا وبالتحديد شرق إفريقيا، ومن ثم هاجر البشر ليسكنوا إفريقيا كلها، ثم بدأت الهجرة عبر البحار والمحيطات إلى الشرق الأوسط ومن ثم لآسيا وأستراليا، ومن الشرق الأوسط وآسيا لأوروبا، ومن أوربا وبالتحديد من شمالها الشرقي وعبر المحيط المتجمد من الجهة المقابلة للعالم إلى الأمريكيتين.

وسواء كانت هذه النظرية تصف حقيقة ما حدث أم لا، (فالله أعلم)، إلا أنها تؤكد أمراً واحداً، أننا جميعا سواسية على اختلاف ألواننا ولهجاتنا ومساكننا..


وهنا خطرت لي هذه التساؤلات..

بعد هذا الإثبات، ماهو رأي المتعصبين؟
ما هو شعور جميع العنصريين في العالم؟

ما هو شعور الرجل الأبيض وقد عرف الآن، أنه في الأصل كان قبل مئات الآلاف من السنين إفريقياً أسود؟
ما هو شعور الأوروبيين وقد علموا اليوم أنهم أحفاد مباشرون للشرق أوسطيين؟
ما هو شعور الأمريكيين بالذات وقد اتضح أنهم والسكان الأصليين (الهنود الحمر) أشقاء؟ فكلاهما مهاجر من أوروبا!

ما شعور من ادّعى يوماً أن التخلف الحضاري للشعوب يكمن في أصل الخلقة (جينياً موروثاً) وليس مرتبطا بمرحلة تاريخية معينة.. ما هو شعوره الآن وقد ثبت بطلان ادعائه.. ووجد نفسه في مطب سخيف ومخيف..
ما شعور من قسّم العالم لأول وثان وثالث.. وعاشر..
ما شعور من يرى في نفسه "الإنسانية" ويرى في البقية همجاً وبرابرة؟



رحلة ابن آدم كما يراها د.ويلز

10‏/03‏/2011

لـمـــــــــــــاذا ؟ ... (3)

لمـــــاذا لا نـقـرأ ؟

الكاركتير تعليقاً على نتائج استطلاع للرأي نشرته ياهو مكتوب للأبحاث في الثالث من آذار
وفقا لهذا الاستطلاع فإن سكان الأردن ولبنان والجزائر هم الأقل قراءة في العالم العربي
وأن الشباب هم الفئة العمرية الأقل قراءة

عندما تحين الحاجة لقراءة كتاب جديد أتوجه ببساطة لأحد معارض الكتب المحدودة نسبياً في مدينتي (إربد)، معرض دار الكتاب أو دار الأمل للنشر والتوزيع وغيرها، والتي تتمركز جميعها في شارع جامعة اليرموك أو بالقرب منه. بإمكانك أن تجد تنوعاً جيداً من حيث الموضوع بالإضافة لتجديد مستمر في عناوين الكتب، لكن العقبة الواضحة هي سعر الكتاب نفسه.
لا يمكن أن تشتري رواية جديدة بأقل من 7  أو 8 دنانير في المتوسط، كتب الجيب والتي يمكن حملها بحقيبتك الصغيرة لا تقل عن 4 أو 5 دنانير بغض النظر عن موضوعها، بعض الموسوعات المصورة الخاصة بالأطفال يصل سعرها ل 20 أو 25 دينار وحتى بعض قصص الأطفال البسيطة لا تقل عن دينار ونصف أو دينارين...

إذاً فالكتاب ببساطة بحاجة لميزانية، وبالنسبة لي كإنسانة أملك راتباً شهرياً مع مسؤوليات بسيطة من الممكن أن أتحمل نفقة كتاب من وقت لآخر.. أما القارئ الشاب إن كان طالب مدرسة مثلاً فلن يتسع مصروفه الضئيل الذي يقاس بعشرات القروش لشراء كتاب ما، وحتى الشاب الجامعي سيعاني من نفس العقبة بمصروفه الضائع ما بين المواصلات والكتب الجامعية والنفقة الشخصية.. 

إذاً هل سيتمكن الوالدان من تحمل مثل هذه النفقة؟
إذا كان سعر الموسوعة المصورة يكفي لشراء حاجة العائلة الشهرية من البطاطا والبندورة وسعر الرواية يكفي لشراء 2 كغم من اللحم النيوزلندي، فبالتأكيد ستتفوق الوجبة اليومية على الكتاب، فالجوع قد يكون قاتلاً لكننا لم نسمع يوماً عن أحد ما مات من نقص الثقافة! 

المكتبات العامة محدودة جداً جداً، في محافظة إربد (ثاني أكبر المحافظات الأردنية)، توجد مكتبة واحدة فقط متاحة للعامة تابعة لبلدية إربد تقع وسط البلد، تغلق أبوابها عصراً وفي أيام العطل الرسمية كأي مؤسسة حكومية، إذاً ففي الوقت الذي يكون فيه الطالب متفرغاً لزيارة المكتبة تكون المكتبة مغلقة!
وطبعاً لا ننسى أن الوصول للمكتبة سهل لأبناء المدينة ذاتها ولكن يصعب جداً على أبناء القرى المجاورة زيارة المكتبة بانتظام وربما تستحيل على بعضهم مثل هذه الزيارة، وهناك عشرات القرى تابعة لمحافظة إربد وأغلبها قرى صغيرة الحجم لا تتوفر فيها بلدياتها الخاصة.. إذاً لا مكتبات..

بإمكان الطالب أن يعتمد على المكتبات التابعة للمؤسسة التعليمية التي يدرس فيها، لكن المشكلة أن أغلب هذه المكتبات تصلح لأن تكون متحفاً أثرياً للكتب، الموضوعات المعروضة قديمة وكم كبير من الكتب يكون على هيئة  قواميس ومراجع ضخمة، لا يوجد أي اهتمام بما هو جديد، والكتب لا تشجع أحداً على المطالعة، فلا يمكن مثلاً أن تجد في مكتبة مدرسة رواية ما لباولو كويللو مثلا أو كتاباً لطارق سويدان، ونعود للعقبة الأولى وهي ارتفاع سعر الكتاب و(عدم وجود ميزانية) وهذا العذر الذي تتذرع به مكتبات المؤسسات التعليمية لتبرّر سوء أوضاعها.   

البعض اليوم يدعو للتوجه إلى الكتاب الإلكتروني كحل لمشكلة الحصول على الكتاب، لكن المشكلة الأساسية تكمن في الحصول على بنية تحتية إلكترونية لقراءة هذا الكتاب، وكم عدد العائلات الأردنية التي تملك جهاز كمبيوتر أو تقدر على تحمل نفقة اتصال شهري بشبكة الإنترنت؟ إذاً نعود لنقطة البداية وسوء الأوضاع المادية مرة أخرى..
بالإضافة أن الجلوس خلف الشاشة لساعات لقراءة كتاب أمر مرهق وغير ممكن وممل للبعض وهذا يشملني أنا شخصياً..

في مبادرة أطلقتها جلالة الملكة رانيا العبدالله المعظمة تحت اسم  "مكتبة الأسرة الأردنية ومهرجان القراءة للجميع" وبالتعاون مع وزارة الثقافة الأردنية تم توفير الكتاب بأثمان زهيدة جداً (35 قرش)، وقد كان هذا المشروع في بداياته رائعاً ولاقى إقبالاً واستحساناً جماهيرياً وتوفرت كتب متنوعة في المضامين والعناوين، وربما كان هو الحل الأمثل لتخطي عقبة الحصول على الكتاب وارتفاع ثمنه.
لكنه وعند انعقاده في نهاية العام المنصرم كان مخيباً للآمال، فقد كانت العناوين المطروحة مملة ومكررة، وأذكر أنني زرت المعرض الخاص بالمهرجان بحثاً عن كتاب محدد "مقامات الهمذاني" لكنني لم أجده فقد نفذ منذ اليوم الأول وتكدست باقي الكتب ولم يرغب بشرائها أحد... ومن وجهة نظري فإن هذا يدل على سوء الإعداد والتنظيم من قبل المشرفين على هذا المهرجان، ويجب تلافي تكرار مثل هذا الأمر لأن ذلك سيسهم في إجهاض الفكرة قبل إتمام أهدافها.      
ولا ننسى أن هذه المعارض تقام بالعادة في مركز المدينة مما يعني بالضرورة استثناء أبناء القرى وهم الفئة الأكثر تضرراً من متلازمة صعوبة الوصول للكتاب وارتفاع ثمنه، بل إن البعض منهم لا علم له بوجود مثل هذه المعارض! 

من ناحية أخرى، كان الكتاب في الماضي الونيس والصديق والهواية والمتعة، أما اليوم فيتزاحم الأصدقاء من قنوات فضائية وDVD وموبايل وكمبيوتر وإنترنت ومول ومطاعم ووو.. ويبدو أنها جميعاً أكثر إمتاعاً من الكتاب. وبذلك تندثر ثقافة القراءة يوماً بعد يوم... ويصبح الكتاب ضرباً من ضروب الكماليات...

ولو سألني أحد ما لماذا علي أن أقرأ؟ وأين سأصل بالقراءة؟ لا أخفيكم ستشكل علي الإجابة..
فقراءة كتاب لا تشتري وجبة عشاء أو تدفع فاتورة كهرباء.. وماذا يعني لو كنت مثقفاً أو غير مثقف؟ وما الفرق؟
ربما ليس هناك فرق... وإجابة عوض الأردني الأصيل في الكاركتير هي أكبر برهان على ذلك...