‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكايات عابرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكايات عابرة. إظهار كافة الرسائل

12‏/04‏/2013

قالت

(1)
حبي الأول.. عشقتها منذ وقفت بجواري تنتظر الحافلة.. شعر خرنوبي وعيون خلّابة..
قال له صديقه.. صحيح إنّ الحبّ أعمى.. خذ عينيّ فانظر بهما.. إنها قبيحة!!
لم يأبه.. لم يكن يرى فيها إلا ملاكاً.. فالحب في أوج الصبا حقيقي جداً..
كل يوم يصل قبلها وينتظر.. نظرة إليها كفيلة بأن تشحن طاقات عالمه من جديد..
صمد الحب الصامت زمناً.. لكنه ما عاد يطيق صبراً.. فاتخذ القرار.. سيبوح بحبه..
أريد أن أسمع صوتها.. أريدها أن تقول.. وأنا كذلك أحبك..
اشترى من أجلها هديّة.. ونسخ لها قصيدة غزليّة.. قطف عن الطريق أقحوانة بريّة.. وسار نحوها بشجاعة..
اقترب منها.. أكثر فأكثر.. مشى بثبات.. أكثر فأكثر.. تباطأت خطواته.. اقترب.. وواجهها..
تسمّر مكانه.. ابتلع ريقه مع كلّ الكلمات..  فحاول أن ينقذ نفسه بابتسامة..
دام الصمت زمننا..
حتى قالت له:
هاي.. ما بالك؟ تقف هكذا وتبتسم ببلاهة.. هل أنت أحمق؟

(2)
اتكأت بيديها على حافة السور العريض.. وألقت ببصرها تنتهك حرمة الجوار..
الآن قد جاوز جسدها السور طولاً..
كم كرسياً جرّت في الماضي كي ترتفع قليلاً.. وتسرق نظرة..
كانت تحبّ النظر إليه..
كانت يافعة.. وكان هو رجلاً..
تأوّهت.. ثم قالت:
خسارة.. أنا اليوم كبيرة بما يكفي.. وهو.. قد سبقتني إليه أخرى..

(3)
أدارت رأسها بعصبية وفي كل الاتجاهات.. بحثت عنه بين المارّة وخلف زجاج السيارات..
دقّ الهاتف..
حبيبي.. أين أنت؟ أنا عند البوّابة..
أوه حبيبتي.. أنا آسف.. لن أستطيع المجيء. العمل كثير.. استقلّي سيارة أجرة..
لوحدي!! في هذا الليل..
هههه.. نعم لوحدك.. سافرت وحدك كل هذه المسافة.. لا تقولي لي بأنك خائفة!
أغلق الهاتف بسرعة ولم يدع مجالاً للردّ.. أمّا هي.. فوقفت مصدومة..
لحظات حتى أفاقت.. ثم قالت:
اللعنة! منذ متى صار يعاملني كرجل؟
(4)
لا أكاد أشعر بساقي.. منذ متى وأنا واقفة؟ ساعتان؟ كم نداءً لبّت؟ كم حقيبة جهّزت؟ وكم عراكاً فضّت؟
ألقت بنفسها على الأريكة.. فأخذ الألم يتسلل لكل مكان.. آخ يا رأسي.. آخٍ يداي وساقاي ويا عيني ويا أذني..
حاولت أن تسترخي قليلا.. شعرت ببعض الدفء يتسلل عبر النافذة.. مدّت يدها وفتحت النافذة فتدفقت الشمس بقوة أكبر.. وعبر إليها صخب المارّة ومزامير السيارات.. كان بعيداً ورقيقاً.. كترنيمة جميلة..
حسناً.. ماذا لو أغمضت عينيّ؟ قليلاً فقط.. أو كثيراً.. هل علي أن أعدّ الطعام اليوم؟
سأنام قليلاً.. نعم.. أشعر بالنعاس.. إنني أطفو وأبتعد.. إنني أهذي..
إنني أحلم..
هناك صراخ.. هناك بكاء.. هل أحلم؟ نعم.. أحلم بطفل ينادي.. هل هناك طفل ينادي؟
نعم.. هناك  طفل ينادي.. إنه طفلي أنا..
رفعت ظهرها بفزع.. وفتحت عينيها..
تذكّرت أنّ لها وليداً..
أطلقت من أعماقها زفرةً ودفنت رأسها بين كفيها.. وبكل الأسى قالت:
نعم. هذا ما كان ينقصني!

(5)
قالت لي:
ما أصعب فقد الأب.. ما أصعب فقد الأب.. كان سبباً لوجودي.. كان قوتي زمن ضعفي.. كان شمسي.. كان قمري..
كان هذا منذ عشرين عاماً.. وكانت تذوق الفقدان للمرّة الأولى.. 
بالكاد مرّت بضع سنين حتى قالت لي:
ما أصعب فقد الأخ.. ما أصعب فقد الأخ.. كان أبي وأمي.. كان عوني كان سندي.. كان عشيرتي الأقربين..
بكت وتألّمت.. صلّيت من أجلها كي لا تخسر أحداً بعد.. حتى كان الأمس.. حينها قالت لي:
ما أكبر فقد الزوج.. ما أكبر فقد الزوج.. كان أهلي بعد أهلي.. كان يومي.. كان أمسي.. كان عمري.. كان حبي..
آهٍ كم تبدو حزينة.. وكم أخشى عليها أن تحيا أكثر.. فتفقدني..
ترى..
كيف يكون فقدان الابن؟

27‏/11‏/2012

غرفة 27

قالت: عشنا طول عمرنا بالسجن وما كنا نطلع منّه إلا بالمناسبات.. ولمّا نطلع كنّا نلبس الزي الموحد اللي مكتوب عليه الاسم.. ونروح ونيجي بالباص اللي برضه مكتوب عليه الاسم.. وكلّ الناس تطّلع فينا.. إشي شفقان وإشي قرفان..

صمتت لحظة لتتنهد.. فجوّلت نظري في غرفتها الأنيقة.. كل شيء مرتّب ومهذّب.. على الجدران صور أطفال وزهور.. وملابسها مطوية بعناية.. لم أنظر داخل خزانتها لكنني تصورتها كذلك.. مقارنة سريعة مع غرفتي.. مغبرّة.. ملابسي لم تخرج من الحقيبة منذ أسبوع.. كل شيء بالتأكيد ليس في محلّه.. لن أدعوها لزيارتي.. سأقابلها دوماً هنا..

استأنفت: ما حدا عمره اهتم إذا درسنا أو انجحنا.. ولإنا قضيناها بالحبس.. اطلعنا ما بنعرف نتعامل مع الناس.. الصحيح.. اطلعنا لقينا حالنا بالشارع.. صاحبة هاد المكان فيها خير استقبلتني وبنص الأجرة اللي انتي بتدفعيها.. وبعدين أنا اشتغلت.. وتزوّجت.. واحد يعني زيي..

توقّفت وتناولت كوب القهوة وارتشفت على مهل.. وأنا ما زلت شاردة بالغرفة..

الصحيح ما دامت بيني وبين زوجي.. أصله.. إحنا الثنين معطوبين.. وابتسمت.. 
الحمدلله ما إجاني ولاد.. واتطلّقت.. وارجعت للشارع.. وبس!

ابتسمت.. ماذا يفترض بي أن أقول؟

قالت هي: ما عرفت وين بدّي أروح وفكّرت أرجع هون.. والله صاحبة المكان استقبلتني عادي وأجرتني الغرفة زي زمان.. تصوّري.. رجعت أخدت نفس الغرفة.. رقم 27.. هي نفسها.. شو احتمال إنه هالإشي يصير؟ بس.. هاي حكايتي.. وبكرة راح أرجع أدوّر على شغل.. وإنتي؟

أنا.. أنا طالبة بسنة ثانية.. اتعبت السنة الأولى من المواصلات.. ففكرت آخد غرفة بسكن الطالبات.. وبس! إن شاء الله تتوفّقي وتلاقي شغل بسرعة.. ابتسمت.. وردّت هي الابتسامة..
قالت: زوريني دايماً.. بما إنا جيران والباب بالباب.. 
أكيد..

بدأت بترتيب غرفتي لحظة دخولها..
غرفتي دائماً مضطربة.. وغرفتها كانت هادئة.. غرفتي غرفة طالبة مؤقتة.. وغرفتها هي بيتها..
لمّا قابلتها أول الأمر أمام باب الغرفة رحّبت بي.. وقالت: اسمي هيا.. بس يمكن هاد مش اسمي.. اتفضّلي.. بتحبّي تشربي معي قهوة؟ بس قبل ما تدخلي.. ترى أنا من خريجات الـ (SOS).. بعدك حابة تدخلي؟
فكرت فيها كثيراً تلك الليلة.. وأصابني الخجل من نفسي.. فانهمكت في ترتيب غرفتي..

14‏/11‏/2012

الجحيم الأخير

- أتعلم لم أنت هنا؟ قد وشى بك جيرانك والمقربون منك على استعداد للشهادة.. عندما قبض عليك رجالنا وجدوك على هيئة مريبة.. إياك أن تنكر.. لدينا ما يرغمك على الاعتراف.. لدينا ما يهشّم عظامك ويمزّق لحمك وجلدك..

- لا تقلق لن أنكر شيئاً.. ولن أمتعك بفرصة تعذيبي وتمزيقي..

- إذاً.. أتقرّ أنك كافر وتدين بغير دين الحقّ؟

- أقرّ بأنني أدين بدين آخر.. ارتضيته لنفسي.. وهو عندي حق..

- أتزعم إذاً أن ديننا هو الباطل؟ أتكذبنا وتكذ ّب إلهنا؟

- أنا لا أزعم شيئاً ولا أكذ ّب شيئاً.. أنا فقط أؤمن بغير ما تؤمنون..

- ولم فعلت هذا؟ ولم خالفتنا؟

- قد جعلت إيماني حيث اطمأن قلبي.. ديني أعطاني معناً لحياتي ومماتي.. سعادة أعيش بها.. ونهاية أصبو إليها.. أعين الغريب.. أتسامح مع المسيء.. وأعمل من أجل رضا إلهي..

- وديننا كذلك يعطيك ما تقول.. سعادة وخلوداً..

- لكنّ الطريق إليها غريب.. مخيف ومرعب.. نزعتموني من يدي والدي طفلاً وطردتموهما.. أسكنتموني بينكم.. وفرضتم علي دينكم.. هدّدتموني أن أكون مثلهما وأن أدين بدينهما.. عذّبتم خلاني وقتلتموهم.. أي دين هذا؟

- الدين الصحيح.. دين يطهر الأرض من كل الآثمين..

- لكنّ ديني لا يفعل ذلك.. ديني يترك الناس وهداهم.. كلّ يختار طريقه.. من آمن فلنفسه.. ومن كفر فلنفسه.. ثمّ يحكم بينهم ربهم فيما كانوا فيه يختلفون.. دعوا الناس وما يؤمنون.. خلّوا بينهم وبين ربهم.. فليحاكمهم هو.. 

- قد أعطانا الإله سلطاناً لنحاكم كلّ الكافرين ونرسلهم إلى الجحيم..

- ما أدراكم بأنا نحن الكافرون؟ لم لا تكونون أنتم الكافرون؟ ما دليلكم؟ أجيبوني..

- إلهنا قال ذلك وكفى..

- إلهكم بريء مما تدّعون..

- قد جادلتنا فأكثرت جدالنا.. هيا اصمت.. سنغيب وإنا في أمرك لناظرون..

دامت تلك الغيبة دقيقتين.. وكيف لها أن تدوم أكثر؟
قد اعترف بذنبه.. والحكم بالموت مؤكد..
أرسلوه لسرداب غائر معتم.. لغرفة رطبة منتـنة.. وكان موعده الصبح.. ليساق إلى مصيره المحقّق.. بكى وصلّى وتضرّع.. ونادى في الظلمات.. من لي من مولى غيرك.. من لي من نصير بعدك.. أغثني.. أجرني.. يا ملاذ المكروبين.. طمّنّي.. وقوّني.. وادفع عنّي.. وأصبرني على ما يحكمون..

.. قادوه بعربة الخزي والعار عبر شوارع المدينة والناس يلعنونه ويقذفونه بالشتائم والقاذورات.. وصل إلى ساحة المدينة الكبيرة حيث أعدّت محرقة هائلة من أجله.. جرّه الجلاّد من حبل طوّق خصره بعنف وضربه بقسوة ليحثه على المسير.. شدّ وثاقه بقوة فوق ألواح الخشب الكبيرة..
ونادى المنادي بالناس وتلا آخر سطور حياته..
"حكمت محاكم التفتيش في بلنسية على المدعو جيرونيمو بوينا فينتورا بالموت حرقاً بعد إدانته بجرم الكفر والارتداد عن دين المملكة إلى دين آبائه وأجداده الآثمين."

وقف جلّاده أمامه يحمل بيده شعلة ملتهبة ليغرسها في محرقته.. فنظر في عيني جلّاده وابتسم..
نظر الآخر إليه متعجباً.. أمجنون أنت؟ تبتسم؟ ستموت يا رجل..
- نعم. سأموت.. إن كان إلهي هو الإله الحق فها أنا أموت من أجله.. وقد وعدني بجنّته.. وإن كان إلهكم هو الإله الحق.. وهو الإله العادل كما تزعمون.. فلن يحرقني على الذنب مرتين.. سأخاصمه.. ألم يعطيني نفساً وعقلاً.. فكيف يجرّمني بما ارتاحت وتاقت إليه نفسي واطمأن له قلبي وعقلي..
- ألست خائفاً؟
- لم أكن مطمئناً من قبل مثلما أنا مطمئن الآن.. ها أنا ذاهب إليه.. وسأترك خلفي هذا الجنون..

بدأت الألواح تشتعل.. والناس في هرج ومرج يصرخون ويشتمون.. شعر بالحرارة تصل إلى قدميه.. والدخان القاتم يتكاثف.. استجمع شجاعته وتنفس.. أخذ يردّد.. صبر جميل والله المستعان على ما تصفون.. صبر جميل والله المستعان على ما تصفون.. تكاثرت سحائب الدخان من حوله.. وأخفته عن وجوه الناس.. أسرعت إليه تضمّه من كل مكان.. تنفّسها صدره.. وتنشّقها جلده.. احتلّت جوفه..أغمته وأبعدته.. بعدها وصلت ألسنة اللهب إليه.. شرعت تأكل ثيابه وجسده.. لكنه كان غائباً.. فاحترق بصمت.. 
 صمت الناس وهم يشاهدون الجسد الملتهب.. ويشتمّون اللحم المحترق.. ولا يسمعون صراخاً أو عويلاً.. 

ضاق جسده بما احتشا فيه.. وما عادت روحه لتجد مكاناً في هذا العالم يسعها.. فغادرت.. وحلّقت في الأفق.. وتنفـّست.. حلّقت.. فتعهدتها رسلٌ من ربّها.. وسارت بها صوبه.. نسيت روحه كل الكفر والجور والحزن والجزع.. فالآن ستقابله.. وستطلب عنده السلام..

23‏/06‏/2012

ثلاثون.. (10)

أمّــا بـعــد..

حكايتي ليست طويلة.. وليست غريبة.. مع إهمال بعض التفاصيل.. رويت لكم كلّ ما فيها..
لا أريد أن أبدو كم يضع الاستنتاجات النهائية.. فأنا لم أختم حياتي بعد!

لذلك سأجعل من كل الفصول السالفة مقدمة لحكاية أخرى.. وأستأنف..
أمّــا بـعــد..

قد أقضي غداً أو بعد غد.. أو قد أعمّر ثلاثين أخرى..
فماذا عساي أفعل فيها؟
لن أدّعي بأنني فارس.. فما أنا بفارس.. لكنّني..

سأعفو.. فكل ذكرى بالية ألمّت بي سأزمّها في خرقة بالية وألقيها في نهر.. ولن أجترّ المزيد..
فأنا ورغم ما مررت به قد نجوت! جميعنا ننجو في النهاية!
وإن كنت قد تجرّأت على والديّ وذكرتهما بسوء.. فسأعذرهما.. فهذا كان جلّ ما يعرفانه..
فقد كانا كثيري المشاغل.. كثيري الهموم..

سأقف..
فأنا منذ ثلاثين عاماً أحبو.. وآن الأوان لأقف..
سأخطو كل يوم ولو خطوة تجاه أمر جديد..
سأخطئ لا محالة.. لكنني لن أتردّد أكثر ..  

سأعرف..
فأنا كلّما عرفت شيئاً جديداً شعرت وكأنني ولدت من جديد..
سأفهم أكثر.. وسأبحث أكثر.. عن نفسي وعن روحي وعن ربّي..

سأعيش..
سأحب..
سأرتقي..
سأتغيّر..

سأرضى.. فما عاد للسخط عليّ من سبيل.. ولتفعل بي الأيام ما تشاء..

وليكن كلّ يوم مقدمة  ليوم جديد.. أبدأه بسعي جديد.. وأختمه بأمّا بعد..

انتهت

14‏/06‏/2012

ثلاثون.. (9)

قبل.. بعد..

أنا الآن أمام صورتين على الشاشة..
قبل.. بعد..
ولا أستطيع أن أحكم أيهما أفضل حالاً..
ومع أنني لم أخضع لأي عملية تجميلية.. إلا أنني قد أصبحت أقل قبحاً.. ويبدو أنني كذلك خاضع لنظرية التطور!
لكنني لست بصدد التحدث عن شكلي.. بل عمّا غيرته ثلاثون عاماً في نفسي ..

قبل الثلاثين.. وبعد الثلاثين..

قبل الثلاثين كنت أعتقد أن الأحلام عصاميّة.. وبعد الثلاثين بتّ أعرف أن الأحلام وراثية! 
السلطة.. المال.. الجاه.. المنصب.. حق موروث.. لا مكتسب..

قبل الثلاثين كنت أؤمن بالثبات على المبدأ وسلامة العقيدة..
وبعد الثلاثين علمت أن المبادئ مرنة والعقائد متغيرة تبعاً للظروف والأحوال..

قبل الثلاثين كنت أفكّر بمنطق والعالم يفكر بمنطق..   
وبعد الثلاثين مازلت أفكّر بمنطق والعالم يفكر بمنطق..
من أجل ذلك صرت ميالاً للعزلة..
ففي العزلة ليس من يكيلني بمكيال أو يزنني بميزان أو يقيسني بمقياس..

قبل الثلاثين لم أكن أعرف..
وبعد الثلاثين بتّ أعرف أنني أكره الثرثرة والجدل والنميمة وتصدّر المجالس..

قبل الثلاثين كنت أظن أنني سأغير العالم أو جزءاً منه.. وكنت أؤمن بالملحميات.. الجوهر.. الحقيقة..
وبعد الثلاثين أشك أنني قد أغير شيئاً.. وجلّ من أعرفهم يعانون من خواء روحي هائل.. ولا تسمو حياتهم فوق ما يأكلون ويلبسون.. وهو ظاهرهم وباطنهم وأولهم وآخرهم..

قبل الثلاثين كنت أرى الحياة رواية بائسة ومكابدة ومجاهدة..
وبعد الثلاثين صرت أرى الحياة خليلاً صعباً.. لكننا على أية حال نرضى به ونتأقلم معه..  

12‏/05‏/2012

ثلاثون.. (8)

عن الحريّة والسعادة..

أيكفيك أن تولد حراً بموجب بند في القانون لتستحق وصف الحريّة؟
وما هي الحريّة؟
أليست الحريّة أن تتخذ القرار وحدك دون قيد أو شرط أو ضغط؟

فماذا تسمّي إذاً مقالة لا تفعل هذا ولا تصادق هذا.. لا تكلّم هذا ولا تأكل هذا..
لا تشتري هذا وإيّاك أن تردّ جواباً لهذا..
ماذا تسمّي اختيار والديك للون ما تلبس وإن كان لا يعجبك.. واختيار لون ما تدرس وإن كان لا يسعدك؟
ماذا تسمّي اضطرارك لتقوم بما يسعد الناس وتكلّمك بما يرضي الناس؟
وأين رضاك وسخطك من كل ما تفعل؟

أنت مشدود من رقبتك بمئة رسن و رسن.. والكل يشدّك من ناحية..
الكل يختار لك.. الكل يريد لك أن تقوم بما قام به وتحذو حذوه..
ولم لا؟ فقد اعتاد الناس هذا وذاك.. وصار كل ما نقوم به عادة وتقليد..
صار الناس نسخة واحدة.. الكل يشبه الكل دونما تفكير أو تجديد..
هل نحن أحرار أم عبيد؟

فماذا لو أردت أن آتي بما لم يأت به السابقون.. ولو أردت أن أقوم بشيء جديد؟
حاش لله.. هل تخرج عن طاعة الجماعة؟.. هل تخرج عن طريقة الناس؟
قد يغفر الله لك هذا الذنب.. فالله يغفر الذنوب.. أمّا الناس فقلّما ما تغفر..

تخيلّ..
أنت متفوق في الدراسة ولكنّك لا تريد أن تصبح مهندساً أو طبيب.. رياضي مثلاً!
مجنونٌ بالتأكيد..
عمرك ثلاثون.. وتملك المال.. لكنّك لا تريد أن تتزوّج الآن!
معطوبٌ بالتأكيد..
تريد أن تصل مكان عملك راكباً درّاجة لا سيّارة..
عوّض الله على من أنجبوك!

وإن سألت الناس هل أنت سعيد في حياتك.. أجابك أغلبهم بـ لا..
كيف أكون سعيداً وأنا لست بحرّ.. أليست السعادة هي الرضا؟
وكيف أرضى عن ما أجبرت عليه؟
وما السبيل لكي يفهم الناس أنني قادر على الاختيار.. وأنني راغب في الاختيار..
وأن هذا شأني وحدي ما دمت لا أؤذي أحد.. أو أعتدي على حقّ أحد!

30‏/04‏/2012

ثلاثون.. (7)

الله..

أفلح من وجد الله.. وأين أجد الله؟

عليّ أن أعترف أن علاقتي بالله هشّة ومشوّشة المعالم.. ربّما لأنها لم تبدأ بداية صحيحة وجليّة.. فالله في الطفولة هو الذي يعاقب بالنار إن أخطأت ويكافئ بالجنّة إن أحسنت.. وهو من قال هذا حلال وهذا حرام.. أمّا لم حرّم وحللّ.. ولم عليّ أن أصلّي.. فهذا أمر لم يفهمني إياه أحد!

والداي لم يحملا إجابة يوماً.. وأمّا المدرسة.. فقد تجرّأت يوماً وأنا طفل بالكاد أبلغ العاشرة وسألت معلّمي بكلّ براءة.. إن كان الله خالقي فمن أين جاء الله؟ وأين أجده؟ فما كان منه إلاّ أن عنّفني وأمرني أن لا أعيد ما قلته لأحد! وأنا لا أدري فيم أخطأت؟

نسيت أو تناسيت.. ومضت أيامي وأنا مسلم يصوم الشهر المفروض.. ويصلّي الجمعة.. ينام عن أغلب الصلوات.. يكذب إن دعت الحاجة.. ويخوض مع الخائضين..

لكنّ هذه الأسئلة لا تنمحي.. ومن حين لآخر لا بدّ أن تزورني.. وانضمت لها أسئلة أخرى.. الثواب والعقاب.. القدر.. فازدادت المسألة تشويشاً!
فوقفت مع نفسي لحظة.. وأنا اليوم قد قضيت من عمري ما قضيت.. ألا يجب أن أحسم الأمر؟ ألم يحن الوقت أن أجد جواباً..
أنا واثق أن هذا الكون لا يسير وحده.. وأن العدل منتصر في النهاية.. لكن عليّ أن أعرف.. كيف؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا؟

يا الله..
أنا عازم على أن أجدك.. وأعرفك.. وأعبدك.. عبادة حقّة.. لا عادة محضة..
أنا أعرف أنّ لك كتاباً.. سأقرؤه.. اجعل لي فيه هدىً..
أرشدني يا الله..

21‏/04‏/2012

ثلاثون.. (6)

أريد قضيّة..

عزيزتي القضيّة.. لا أعرف لك شكلاً أو رسماً.. لا أعرف لك لوناً أو طعماً..
لكنني أعرف أنّك شيء هائل..
وأنا طامعٌ أن يقال عنّي أنّي صاحب قضيّة.. صادقيني وزوريني ولو مرّة..

هل أعترف لك؟ أشعر بالحسد والغيرة من كل أصحابك.. أشعر بالغيرة تجاه كل من كانت حياتهم رواية عظيمة من العقد والآمال والعثرات والحلول..
وأنا أعاني من فراغ هائل.. ولا أعرف لي هدفاً أو حُلُماً واضحاً.. ولا أعرف من أين أبدأ..

اليوم وأنا على أعتاب الثلاثين.. حياتي رتيبة.. تعلّمت كما الناس وعملت كما الناس.. أنا كالجموع التي تأكل وتشرب وتنام وتتزوّج.. وبعد؟ ما أشبه اليوم بالبارحة..

لا أريد أن أتجمّد فأتصدّع وأتشقّق.. لا أريد أن أكون كمن قيل عنهم.. كان من الأجدر أن يُكتب على قبور البعض مات في الثلاثين ودُفن في الستين!

16‏/04‏/2012

ثلاثون.. (5)

رسائل لم يحملها البريد..

أنا في ذلك العمر.. يوم يغدوا الأولاد رجالاً .. وكل البنات جميلات.. فأصابني الحب!
شعور ملتهب.. ودقات قلب.. كأنها الحمّى.. وأنا أريد أن أحب. أريد أن أعبر الزقاق المعتم أنا وحبيبتي باكراً جدّاً قبل الدرس.. وظهراً يداً بيد والناس قائلون..

أريد أن أحب! كان قلبي طافحاً بالحب.وليس لي إلاّ سماسرة الحب.. 
وسماسرة الحب فتيان مثلي ولهم حبيبات، وللحبيبات صديقات ينتظرن حبّي، فأستأذن لأنال الحب، برسالة حب.
أخرجت القلم والأوراق وكتبت الكثير من الرسائل.. للسمراء والشقراء.. للطويلة والقصيرة.. لذات العيون السود والعيون الخضر.. وملأتها بتلك العبرات التقليديّة.. أنت لي كالهواء.. كالسماء كالماء.. وأنا بدونك ضائع هائم.. أنا غريب.. ولكنّ الاغتراب من أجل عينيك قضيّة.. 
لا أدري لم أحبك وقد ملئت الأرض ملايينا.. ولكنّ قلبي لا يختار من الزّهر إلاّ الرياحينا.. أنا مشتاق.. أنا قتيل.. لاتسأليني ما الدليل؟ إنّ العيون التي في طرفها حورٌ - قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا..

غلّفت الرسائل بأوراق ملونة حول زهرة بريّة وخبّأتها وأغمضت عينيّ لأنام.. وغداً موعدي مع الحب..
فرأيت فيما يرى النائم أنّني وحبيبتي قد كُشف أمرنا و رآنا النّاس.. وغضب منّي النّاس ولاموني.. أنت؟
فاستيقظت على شعور بالذنب عظيم.. ماذا لو عرف الناس؟ وأنا لهم مثاليّ وقدوة لأقراني.. وماذا لو عرف والدي؟ يا للهول! ربما قتلني.. هل أغامر؟

أخرجت الرسائل وفتحتها وتصفّحتها.. ولا أدري لم بدت سخيفة.. ألقيتها ثم أمسكتها ومزقتها بل فتّتها..
ومات الحب..
شعرت بالنّدم.. بالكثير من النّدم.. لكنّني لم أعرف ما مصدره.. هل لأنني كتبت الرسائل؟ أم لأنني تردّدت ولم أغامر؟

لم أروي هذه القصّة؟
لأنني كلّما وجدت نفسي أمام مغامرة.. أتردّد.. غالباً ما أتراجع وأختار أسلم الطرق.. أفكّر كثيراً في العواقب.. وخوفي من التندّم من عواقب الأمور أعظم من النّدم الذي يرافق التراجع عنها..
وأنا أريد أن أغامر.. أن أحاول.. ولكنّني جبان عن كل تجربة!

06‏/04‏/2012

ثلاثون.. (4)

كلمة واحدة

هناك الكثير من الكلمات.. كلمة غاضبة.. كلمة بائسة.. كلمة ناقدة وأخرى لاذعة.. كلمة فرحة .. كلمة صادقة.. كلمة كالسّم وأخرى ترياق.. كلمة كالشّهد وأخرى علقم.. كلمة.. وكلمة..
وأنا كنت بحاجة لكلمة واحدة.. كلمة تطمئنني وتمسح حزني.. كلمة واحدة تخفّف من جور من حولي..

كلمة واحدة قالها معلّمي.. ولدٌ ذكيّ! 
كم غيّرت في تقديري لذاتي.
من أجلها عشقت الدرس، واكتشفت عالماً آخر أنا فيه مارد وبطل، أذكى وأقوى وأفضل من الجميع.

كنت أتلقّف بشوق ولهفة كل كلمة تقدير وإطراء، من أجل ذلك اجتهدت، من أجل أن يفخر بي الجميع ويبجّلني الجميع، ونجحت، فتبدّلت سنين المدرسة بعد ذلك لتصبح أقلّ إزعاجاً وأخفّ وطأة، وترافق ذلك مع جدّ في الشخصيّة والتصرفات، وعقلانيّة زائدة، لا لهو ولا عبث..

الله يرسل لنا الرحمات ولو كنّا صغاراً لندرك ذلك..
كلمة واحدة تداوي الجروح وتجبر الخواطر..

ذاك الفتى القبيح

لا يمكن أن تكون الأول في كلّ شيء ولا الأسوأ في كل شيء، ولا يمكن أن تحتفظ بأي لقب أو مكانة أو منزلة إلى الأبد، عرفت ذلك عندما وصل الفتى الجديد.
كان أطول من الكل ذو فم عريض مليء بالأسنان، مختلف عنّا، سمرة بشرته غير سمرتنا، ولسانه ذو لكنة غريبة، وأظنّه كان من بلد آخر غير بلدنا، فسرعان ما نال هو لقب القبيح.

بدا لي صيداً سهلاً، وأردت أن أسخر منه كما سخر الجميع، كم كان شعوراً لذيذاً أن تجد من هو أضعف منك لتفرغ كل ما انحشر في صدرك في وجهه، وتقتصّ لنفسك، ولكنني في الحقيقة لم أفعل!

وددت ذلك فعلاً، وددت لو سخرت منه، لكنني كلما اقتربت منه وجدته منزعجاً ومنكسراً، وغريباً وضعيفاً، ألست أعرف هذا الشعور وأمقته؟
ابتسمت له وتحدّثت معه وحيّيته، فبادلني الابتسامة سعيداً ممتنّنًا.
لا أدري لم تملّكتني سعادة عارمة، سعادة ربما فاقت سعادته، ألأنني ساعدته؟

فعل واحد قد يحيي إنسانا وفعل آخر قد يزيد من غربته، في ذلك اليوم اخترت أن أنتصر لهذا الإنسان ولو ببسمة، ولو بكلمة، وما زال هذا فعلي واختياري إلى اليوم.. 

02‏/04‏/2012

ثلاثون.. (3)

عالم جديد

تمضي السنين سراعاً في عالم الطفولة الذي ألفته وفهمته، وإنك لتظن أنك ملكت زمامه، لتجد نفسك فجأة وقد خرجت لعالم جديد، عالم أكبر من بيتك وحارتك وجيرانك..

المدرسة.. قبس صغير لعالم كبير..
فيه المتفلسفون والمنظّرون (أوائل الصف) الطموحون لكل منصب (رئيس الصف ونائبه) جهاز المخابرات العامّة (العريف السرّي وجماعة الفسّادين) أصحاب الحصانة المطلقة (ابن المدير وابن معلم اللغة العربية) وأرباب الواسطة (صديق ابن المدير المقرّب) ..
الكذّابون وأصحاب الشطحات.. من قفز بالأمس من علوّ ثلاثة أمتار ومن يملك أبوه مزرعة تقدّر بالملايين، المنافقون المدّاحون لكل معلّم بسبب وبلا سبب، بالإضافة لحفنة من البلهاء والأغبياء والمساكين والمثاليّين والنسّاك والفتوّات وأرباب المشاكل.. ولا ننسى الجبابرة والقياصرة من إدارة ومعلمين.. 

بدايتي مع هذا العالم لم تكن سارّة، فما هي إلاّ أسابيع قليلة حتى وقعت في يد الفتوّات والمتنمّرين الأكبر سناً وتعرّضت للضرب والتخويف، لم أقدر على صدّهم، واستسلمت في أغلب المواجهات وتراجعت باكياً..
شعرت بالخزي والعار وخشيت أن أتعرّض للّوم والاستهزاء لضعفي فلم أخبر أحداً عمّا أنا فيه، ابتلعت الحزن والخوف وكدّسته في داخلي..
الضعف شعور حقير..

النظّارة

في صباح ما لم يبدأ اليوم بالدّرس، بل بدأ بطابور طويل ينتهي لغرفة الفحص الطبّي.

دخلت الغرفة فتناولتني ممرضة مرعبة وسمينة، وجرتني بسرعة لعند الطبيب الذي تفحّصني من أعلى لأسفل ونظر إلى أسناني، ورفعني إلى الميزان، وأخيراً، أخضعني لامتحان مفاجئ لقراءة الحروف من بعيد، وفشلت في الامتحان.. لم أقرأ حرفاً واحداً..
وكتب الطبيب العلامة على الورقة: "بحاجة إلى نظّارة"..

حملت الورقة إلى والدي، وفي نفس اليوم ذهبنا لمحل النظّارات، وعدت بنظّارة بلاستيكية عسليّة اللّون..
حملتها معي إلى المدرسة وأخرجتها للدّرس، وما هي إلاّ لحظات حتى بدأت السخرية والاستهزاء، فهذا يراني أعمى وهذا يظنني بعيون أربع وذاك يصفني بالقبيح..

ألا يكفيني الضعف والجُبن؟ وأنا أيضاً قبيح؟
تباً لك أيتها النظّارة.. ماذا فعلتي بي؟ لتحلّ عليك اللعنة.. فليلعنك الله وليلعنك اللاّعنون!

31‏/03‏/2012

ثلاثون.. (2)

الدنيا مسرح كبير

صحيح جداً جداً.. فنحن ممثلون في كل الأوقات.. 
خارج البيت نحن مثاليون جداً، متواضعون، كرماء، أبي من وجهاء الناس ويحظى باحترام الكل، كلامه موزون، ونحن تصرفاتنا لائقة جداً جداً، وصايا أمي أو تهديداتها بحسن القول والفعل خارج البيت هي مثال لحسن التربية، وداخل البيت فبإمكنك أن تقبّل مؤخرة التربية!
ما نتلفّظ به وما نفعله وما نجوّزه لأنفسنا داخل البيت يثير الغرابة! كأننا عدّة شخوص مركّبين في جسد واحد، وغريب كيف كنّا نتكّيف مع كل حال وموقف ونستدعي الشخص المناسب في الوقت المناسب!
هل هو مرض الفصام؟ أم أننا ممثّلون بارعون لهذه الدرجة؟

تعال إلى داخل البيت.. تفضّل.. بإمكانك الدخول.. لا حرج.. أولا تريد أن تعرف من نحن في الحقيقة؟

أولاد كُثُر، ذكور وإناث يكبرونني ويصغرونني، وأنا هائم في الوسط، الإهمال تجاهنا واضح، إهمال في اللبس، الدّرس، المشاعر.. في العادة كنت ألبس من كل قطر أغنية، ولو بدوت كالمشرّدين ليس الأمر بذي أهمية ما دمت أستر عورتي.. في الواقع ما دامت ثلاثية ( أكلَ- شرِبَ- نامَ ) قد تحققت فنحن في أحسن حال وما الذي نبتغيه أكثر؟

هل ترى ذاك الرجل الغاضب دوماً.. ذاك والدي..
له صوت مرعب وشخص مخيف، يسارع كفّه لقمعي دون رحمة أو هوادة، هذا هو الحوار وكذا تكون التربية، ساعات غيابه رحمة، وساعات وجوده خوف وترقـّب.
لكلّ منّا نصيبه من غضب أبي، وكان الغضب يشحن الغضب، فينهال عليّ إخوتي الكبار وأنا أتسلّط على من يصغرونني، وهكذا كانت أيامنا ملحمة!
ويصرف المحللون النفسيون والاستراتيجيون الساعات في التحليل والبحث والسؤال.. من أين جاءت ثقافة العنف؟ ومن المسؤول؟

أمّا الأم فمشكلتي معها قديمة وقصة واحدة قد تروي لك الكثير..
في سنّ الخامسة سمعت عن شيء ما اسمه الروضة.. وكالجميع رغبت بالذهاب..
فسألت أمّي فكان جوابها كالتالي: هل تفضّل الذهاب للروضة أم  تفضّل النوم والبقاء في المنزل للّعب؟
إممممممم.. أي سؤال هذا توجّهه لابن خمس سنين؟ بالطبع سأختار اللّعب!
كانت أمي ببساطة لا تريد أن ترسلني للروضة لكنها لم تعبّر عن هذا صراحة بل أوقعتني في مكيدة.. جعلت القرار يصدر عنّي  بسؤال لا يمكن أن أخطئ في إجابته.. إجابة صحيحة كما تريدها هي.. وحتى لو اعترضت فيما بعد وأنّبتها سيكون جوابها بأنني أنا السبب.. يا للأمهات!

حسناً من هنا بدأت وهكذا ترعرعت، وأريد أن أقول كلمة أخيرة..
الأطفال ليسوا بالغباء الذي تظنّونه، الأطفال شديدوا الملاحظة وتسجّل عقولهم الكثير، ولهم مشاعر، وربما فاقوكم ذكاءً، والأشياء التي تبدوا في نظركم هيّنة وسخيفة هي في نظر الأطفال عظيمة..

28‏/03‏/2012

ثلاثون.. (1)

تقديم..


نعم، تقليداً لميخائيل نعيمة في كتابه سبعون، سأكتب شيئا ما كوني بلغت الثلاثين، ولم لا؟ ألا تضم ثلاثون عاماً من حياتي خبرة ما تستحق أن تعتبر أو قصة تستحق أن تروى؟

ربما هي ليست قصصاً، هي على الأغلب زمرة من الفضائح، ورغبة عارمة تدفعني لأرويها، ربما لأنها أثقلت علي وأصابتني بالدوار، وكم أرغب أن ألفظها بعيداً بعيداً عني.
ربما لأنني أريد أن أتغيّر، أريد أن أختلف، أريد أن أكنس ذاكرتي كنساً جيداً من الكثير الكثير من الذكريات والترهات، وأبدأ من جديد، وأصدق أي حلم وأتوقع المستحيل وأتفاءل بغدٍ مختلف، بعد أن كانت أيامي سواء والتفاؤل غبار والأحلام هباء وسرد كلام في كلام.

لماذا هذا العام؟ ربما لأنه عام مليء بالغرائب!
من كان يصدق أن ثورة ستقوم أو حاكماً سيهرب أو يتنحى أو يقضي؟
من كان يصدق أن ثلاثين ربيعاً من عمري نالت لقب "ربيع الثورات العربية"، ربيع وأي ربيع؟ 

وكي لا أجلب العار لنفسي وأهلي سأكتب حياتي باسم مستعار، وليكن ما يكون، فسأجتهد في البحث عنه كثيراً وسأندم عليه لاحقاً، كما أفعل غالباً.. إذاً ليكن اسمي ( فارس ) بلا سبب ولا مغزى هو مجرد اسم..

20‏/01‏/2012

من أرشيف الذاكرة..

17 كانون الثاني - عام 1991م:
يبدأ الهجوم والقصف لتحرير الكويت من الغزو العراقي.
بإمكاني أن أسمع دوي الرصاص وهدير الطائرات- نحن نسكن منطقة حدودية- هي الأقرب للعراق.
بث التلفاز مقطوع.
لا اتصال هاتفي.
صلة الاتصال الوحيدة مع العالم عبر المذياع: مونت كارلوأوالـ بي بي سي.
الليلة تركنا شقتنا في الطابق الثاني وسنبيت في غرفة في طابق (التسوية).

... :
الأيام متشابهة.
نستيقظ على صوت الإذاعة.. ونأكل يرافقنا صوت الإذاعة.. نبيت على صوت الإذاعة..
الليل مخيف.. يؤذن قدومه ببدأ القصف.. وكل يوم تزداد حدّته.
تتلون السماء وتضيء ..الصوت مرعب وعميق ومخيف.

3 شباط - 1991م:
يتخذ والدي القرار بالرحيل..
يحجز المقاعد ويدفع أجرة الحافلة.. الرحيل بعد 4 أيام.
تبدأ أمي وشقيقاتي بحزم الأمتعة وحمل ما يمكن حمله.

6 شباط - 1991م:
نودع بيتنا للأبد..
يرفع أبي المتاع على سقف السيارة وننطلق.. نبيت الليلة في مدينة أخرى عند أحد الأقارب من حيث ستنطلق الحافلة.
الوضع أكثر هدوءاً في هذه المدينة.. والأطفال يلعبون في الشارع.

7 شباط - 1991م:
منذ الفجر نصل لمكان انطلاق الحافلة.
يبدأ الجميع بتحميل أمتعته وتأمين مقعده.
نحن العائلة الأكبر عددا.. يوجد شاب وشقيقته.. أم وابنتاها..
رجل في الأربعين لوحده ليس له مقعد ولا أدري لماذا، يضع حقيبته البنية على الأرض وسط الحافلة ويجلس عليها طول الرحلة.
تنطلق ثلاث حافلات والوقت بعد مبكر جداً..
الوضع هادئ..
نتوقف مرات ومرات للتفتيش.. الجنود يملؤون الطريق قبل وبعد الحدود.
نعبر الحدود.

قبل الظهيرة:
نصل (البصرة).
لم يخبرني أحد.. لكنني أعرفها جيداً، فقد زرتها من قبل..
أعرفها من نخيلها المحترق ومن التماثيل المتراصة على طول شط العرب تخلّد ذكرى من قضوا في الحرب الإيرانية ..
ونستمر بالمسير.
الحياة تبدو عادية.. المتاجر مفتوحة.. الناس في الأسواق..
فتاة صغير في آخر الحافلة تبدأ بتسميع درس اللغة العربية: هذا دكّان.. هذا فلاّح!
ونستمر بالمسير.

في المساء:
نصل (بغداد).
لا أعرف كم الساعة بالضبط.. لكن العتمة قد أرخت سدولها بقوة.
رجل على قارعة الطريق يشوي اللحم.. والرائحة قوية.. جداً..
هل في هذا المكان أي حرب؟ أم أن الحرب صارت لهذه الدرجة عاديّة!

السائق يريد أن يستريح.. فينشب الخلاف..
الركاب يرفضون المبيت في بغداد.. بالتأكيد ستتعرض للقصف..
يشتد الخلاف بين مؤيد ومعارض..
ينتصر المعارضون..
ونستمر في المسير.
بعد ساعات نمرّ عن جسر متهدّم يحترق ( جسر الفلّوجة ).
الظلام حالك.. لا أنوار في الشوارع والحافلة تسير بدون هدىً.. الضوء يضعك في دائرة الاستهداف.
يشغّل السائق الأنوار الأمامية لحظة.. تنطلق صفارة أحد الجنود المنتشرين على الطريق بالتحذير.. يطفئ السائق الأنوار بسرعة.

ربما بعد منتصف الليل بقليل:
نصل (الرّمادي).
تصطف الحافلة على جانب الطريق في منطقة خالية.. تبدو كالمزرعة لا أذكر بالضبط..

وتبدأ الإحتفالية!
بغداد تتعرض للقصف.. وكذا الرمادي.. وكل مكان..
السماء تنير بلون أخضر فسفوري كئيب جداً.. والصوت مرعب وشديد..
تنطلق القذائف المضادة للطائرات.. ويبدوا أنها قريبة.. فالصوت عالٍ جداً جداً يصمّ الآذان..
يشرع الأطفال في الحافلة بالبكاء.. وطبعاً.. أنا أوّلهم..
ويستمر القصف.. ساعة.. ساعتين..
لم يرتح أحد.. ولم ينم أحد..
لعن الله الحروب وصانعيها.

8 شباط - 1991م:
من أول خيط نور يتدفق يبدأ المسير..
الكل مستيقظ.. والكل عيونه متعلقة بالنوافذ.. شعور غريب.. وكأننا  لم نكن مستيقظين هكذا من قبل..
ونستمر بالمسير.. دون توقف..
الوضع هادئ.. من وقت لآخر تسمع صوت بعض الطلقات.. وكلما اتجهنا غرباً أكثر فأكثر خفتت الأصوات..
مزارع وقطعان من الماشية.. ثم تتبدل الصورة لما يشبه الصحراء..
الكل متشنج في كرسيه.. بتنا أقرب وأقرب من حدود الأردن..
وأخيراً..

قبل المغيب:
ندخل حدود الأردن (رويشد).. وتتبدل الوجوه سعادة وترتسم عليها الإبتسامات..
نتوقف عند موظف الجوازات.. موظف الجمرك يطالب الركاب بتنزيل كل الأمتعة.. كل شيء.. ويبدأ بالتفتيش.. ثم يبدأ بفرض الرسوم الجمركية!
شكراً.. هذا ما كان ينقصنا..
يتحول الأمر لصراخ وعراك.. بعض الركاب لا يملكون مالاً فائضاً أصلاً.. ويُستدعى مدير الجوازات..
ساعة حتى انتهى الخلاف..
زادت ظلمة الليل.. والجو بارد بارد جداً..
نعود لتحميل الأمتعة.. ونستمر بالمسير..
بعد قليل..
تتعطّل الحافلة!
يحاول السائق إيصالنا بشق الأنفس لأقرب مدينة.. وتنجح المحاولة.. نتوقف في (الأزرق).
يتصل السائق بسائق آخر ليتمّم الرحلة.. وفعلاً يصل بعد وقت قليل.. ننزل الأمتعة ونعيد تحميلها في الحافلة الجديدة.
الحافلة مهترئة وتصدر أزيزاً مزعجاً.. والنوافذ تسرّب الهواء البارد القارص..
ونستمر بالمسير باتجاه العاصمة عمّان..
تبدو المسافة طويلة وكأنها مئة عام..
نصل (مجمّع رغدان) الواحدة ليلاً..
يهنئ الجميع بعضهم بالسلامة ويتبادلون الهواتف ويتفرقون.. كانت آخر مرة نرى بعضنا للأسف!
نستقل سيارة الأجرة ونتجه لبيت أحد الأعمام من قاطني العاصمة..
ونبيت الليلة..

9 شباط - 1991م:
نتصل لحظة استيقاظنا بمنزلنا في (إربد) لنعلم جدّتي بوصولنا..
يصل بعض الأقارب لتحيتنا.. ويقلوننا بسيّاراتهم للمنزل..
تتلبّد السماء بالغيوم وينهمر المطر..

بعد الظهر:
نصل المنزل.. وتستقبنا جدّتي.. بفرح ممزوج بحزن وتعب.. لم أرها منذ عام ونصف.. لكنها بدت وكأنها قد كبرت مئة عام..
البيت.. أخيراً.. لا أصدق!
لا أدري كيف أكلت ذاك اليوم وكيف نمت تلك الليلة..

10 شباط - 1991م:
أستيقظ في الصباح وكل شيء يبدو غريباً.. السقف.. الفراش.. أنظر ليميني فاجد جدّتي جالسة على فراشها الصوفيّ تنظر إلينا بإمعان.. هي الأخرى لا تصدّق!
أخرج لحديقة المنزل.. الطقس بارد والأرض مبلولة وشعاع شمس طفيف ينير الأجواء..
العشب الأخضر يملأ المكان.. والنرجس قد أزهر.. و رائحته جميلة جداً جداً..

بعد يومين:
تذهب أمي  لتسجيلنا في المدرسة.
كنت أتمنى لو لم يقبلونا.. لكنهم فعلوا!
لو قالوا: لا يجوز الالتحاق بالمدرسة من منتصف العام، عودوا العام القادم.. حلم جميل.. لكنه لم يتحقّق!

بعد أسبوع:
يشتدّ المرض على جدّتي.. يبدو أن جدّتي تحتضر..

بعد ثلاثة أسابيع:
تنتقل روح جدّتي لبارئها.. لكنها بالتأكيد روح سعيدة.. قد سنحت لها الفرصة لترانا وتودعنا ونكون بجوارها حتى آخر لحظة.. رحمها الله..

وأمّا نحن..
فتستمر الحياة.. ولا ندري إلى أين تأخذنا غداً.. 

15‏/01‏/2012

ضحكة من قاع الحزن..

من عاشوا كل المأساة.. ومن أجل ذلك صنعوا السعادة.. فأجادوا صناعتها.. أولئك هم فلاسفة الضحك..  

تشارلي تشابلن..

ولد لأم وأب يمتهنان التمثيل والغناء وانفصلا قبل أن يبلغ الثالثة من العمر، عاش قسطاً من عمره مع أمه حتى مرضها ودخولها مصحاً للأمراض العقلية، فانتقل ليعيش في ملجأ للأولاد الفقراء وسط لندن وهو في سن السابعة، وقضى فيه عامين كانا من أقسى أيام حياته!

غادر الملجأ ليعيش مع والده وعشيقة والده وأخوين غير شقيقين، كان أبوه سكيراً ومات من جراء إصابته بتشمّع الكبد، ليجد تشارلي نفسه وهو في سن الثانية عشرة وحيداً بلا أحد!

بعد وفاة والده انضم تشارلي لفرقة غنائية راقصة، ومنها كانت انطلاقته نحو المسرح والسينما والعالمية، ليُضحك الملايين بأفلامه الصامتة والناطقة لما يزيد عن 50 عاماً.

من أقواله (يوم بدون سخرية هو يوم ضائع).


 إسماعيل ياسين..

هو الابن الوحيد لأب كان يعمل صائغاً للمجوهرات وأم ماتت مبكراً وخلّفته رضيعاً. عاش في منزل والده في السويس وعانا من جور زوجة أبيه، وقد أفلس والده واضطر لبيع محلّه، مما حدا به لتزوير العملات النقدية وانتهى به الأمر إلى السجن.

اضطر إسماعيل للعمل في سن صغيرة في محل لبيع الأقمشة ومن ثمّ في مسح السيارات، وترك منزله بحثاً عن حلمه في الغناء والتمثيل إلى القاهرة وهو في سن السابعة عشرة.

التحق بفرقة مونولوج بأحد أشهر ملاهي القاهرة، ومنها ذاع صيته وغنّى المونولوج على المسرح وفي الإذاعة، ومنها إلى الأفلام الكوميدية التي أضحكت وما زالت تضحك الملايين  حتى يومنا هذا.


08‏/11‏/2011

نعيمة... (5) والأخيرة

أنا اليوم في العقد الخامس من العمر.. عدا عن كوني وحيدة..

حسناً.. عشت أماً لأولاد ليسوا بأولادي.. وجدة لأحفادي ليسوا بأحفادي.. ورعيت أبي شاباً وعجوزاً.. وقد ارتحل الآن.. لعالم آخر.. لن أتكلم أكثر عنه.. غفر الله لي وله..

وهل يدوم هذا الصمت؟ ربما سُمعت مناجاتي.. في الباب طارق.. ربما هو آخر طارق.. زوج بلا زوجة.. وبضعة أيتام.. أن أكون أماً لأيتام.. هذا عمل أجيده..

عارض من عارض.. رفض من رفض.. لماذا؟ في هذه السن؟ لم لا؟
أريد أن أجرّب.. ولو لمرة واحدة.. ألا يحق لي أن أجرّب؟

كعادتي أنتصر.. رغم أنوف الساخرين.. كيف تبدو خمسينية في ثوب الزفاف!.. اشتريته على أية حال.. ارتديته.. فرحت ورقصت.. وبكيت.. وارتحلت..

وصلت داري الجديدة.. وتملكني الرعب.. أهو رعب العروس الجديدة؟ دخلتها بتثاقل.. مشيت بتأنٍّ حتى باب غرفتي.. وقفت.. تأملتها.. جدرانها البيض.. فراشي الجديد.. وانتصبت أمامي.. خزانتي الجديدة..

آهٍ يا خزانتي.. تُرى.. أيكون مصيرك كما الخزائن الأخرى؟  تُرى.. هل أرجم بالحجارة؟ أينتصرون علي؟ هذه حرب لا طاقة لي بها...


07‏/11‏/2011

نعيمة... (4)

في الباب طارق.. أول خاطب..  لي؟ أنا أتزوج؟ حسناً.. لم أكن بحاجة لأتساءل كثيراً.. أو أفكر كثيراً..
رفض أبي وعارض بشدّة.. الأول فالثاني فالثالث فالخامس عشر.. لم أعتد أن أسأل.. لكنني أستخلص الإجابة.. ربما خاف أبي أن يفوته رزقي.. ربما خاف على نفسه.. أو خاف على إخوتي.. لمن سأتركهم؟ بطبيعة الحال لم أكن لأتركهم..

لكن.. أن يعارض زواج شقيقاتي.. فهذا كثير.. لا يوجد مبرر واحد.. أبداً.. وما كنت لأدعه ينتصر! واجهته.. حاصرته.. ضيّقت عليه الخناق.. بكل أقاربي ومن كل الجهات.. وافق مرغماً.. 

انتصرت.. ولكن.. هذه المرة للنصر ضريبة .. ارتحلوا.. جميعاً.. واحداً تلو الآخر.. الدار خاوية..
تُرى.. لو وافق أبي على زواجي؟ بالتأكيد كنت سأرفض.. ماذا لو أصرّ؟ كنت سأتمنّع.. ماذا لو أمرني وشدّد علي.. كنت سأرضخ.. كنت سأدعه ينتصر.. هذه المرّة.. لكن.. لم يأمرني أبي.. ويا ليته فعل..


واساني الأصدقاء.. كنت كالشمعة احترقت لتنير درباً لهم.. قمة التضحية.. أم قمة الغباء؟
تباً.. لقد احترقت!.. وأنا اليوم وحيدة.. 


- يتبع -

05‏/11‏/2011

نعيمة... (3)

إن تساءلتم هل كان هناك المزيد من الخزائن؟ فالجواب ببساطة هو لا..
توقف أبي ببساطة عن الزواج.. لم؟ لا أعرف سبباً دامغاً.. ربما ملّ النساء ومشاكلهن.. أو تحاشى المزيد من المخاسر المادية.. أرجح أن يكون هذا هو السبب.. فأبي ماديّ بامتياز..
عندما نكبر نتعرف على أهلينا من جديد.. ونجد أنهم كاذبون أو غشاشون أو حمقى أو.. صورة مغايرة عمّا اعتقدناه في الصغر.. في النهاية هم من البشر!

مازالت الخزائن الثلاث قابعة في مكانها حتى اليوم كأطلال المحبين.. كلما جاءنا زائر تساءل؟ وعلينا أن نشرح.. خزانة الأولى فالثانية فالثالثة.. جميل أن نضحك على الأطلال بدلاً من أن نبكيها..

إذاً.. ضلعت بكل مهام الزوجات.. صرت أنا الأم.. أنا الطاهية والغاسلة والماسحة.. الآمرة والناهية.. صرت أنا أساس البيت وعموده.. أتقنت ذلك أيما إتقان.. ربما من أجل ذلك لم يكن أبي بحاجة النساء.. ربما.. لا أدري..

لم يعن ذلك أننا لم نعش شذرات وعثرات.. لم نحزن  ولم نبكِ ولم نُقهر.. بلى.. فاليتم ذلٌ في جميع الأحوال.. لكننا صمدنا.. وانتصرنا.. أنهيت المدرسة والكلية.. وكذا أخواتي وأخي.. حصل كل منا على عمل يليق به.. بدا كل شيء حسناً.. حتى وقف بالباب طارق..


- يتبع - 

03‏/11‏/2011

نعيمة... (2)

على فكرة.. إسمي نعيمة.. أي اسم غبي هذا؟ طبعاً الحبكة التقليدية..اسم جدتي.. وليست أسماء شقيقاتي بأفضل.. يبدو أن أسماءنا كانت عفوية وليدة اللحظة ولم يبذل أحد أي عناء ليفكر أو يختار أي اسم عصري أو موسيقي!

لست بالغبية.. بالتأكيد أنا أفهم.. لقد انتصبت الخزانة الثالثة ووصل الفراش الجديد.. فالزوجة الجديدة.. لكن حتى هذه لا أذكرها كثيراً.. ولكنني أذكر بالتأكيد حديثها الخفي مع أحد ما عن إخراجي من المدرسة لأتكفّل بخدمة المنزل.. لا بدّ أن أرجمها بالحجارة.. وقد فعلت!

صحيح قد أنزل بي أبي قسطاً من العذاب ذلك اليوم.. وتطاير الكره والشرر من وجهها.. لكن على الأقل لم أخرج من المدرسة.. لا بدّ أنني انتصرت!

وارتحلت الزوجة.. كنت أظن أنني السبب.. هكذا سوّل لي عقلي الطفولي.. أنني انتصرت.. لكن الواقع أنها لم تكن تنجب.. فازدات كرهاً وحقداً.. ثمّ آثرت الرحيل..

- يتبع -