‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكايات ساخرة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حكايات ساخرة. إظهار كافة الرسائل

22‏/12‏/2012

خراريف

أول خرّافيّة: بياض الثلج

كان يا مكان فيه بنت بيضا كثير اسمها بياض الثلج عاشت مع مرت أبوها الشريرة اللي كانت تكرهها لانها حلوة وبيضا كثير، ولإنه مصدر الشر في العالم هو بنتين غيرانات من بعض كانت العيشة بالقصر مستحيلة، صحيح بياض الثلج بيضا كثير وكمان أميرة، فهربت بياض الثلج من جور مرت أبوها وراحت عالغابة.
في الغابة لقت بيت فيه سبع أقزام، حكتلهم حكايتها، فالشباب الطيبة أخذتهم الحميّة وحلفوا عليها يمين لتقعد معاهم بالدّار، وخدموها بإخلاص وتفاني زي ما أي شب مقدام لازم يعمل لمّا يصادف بنت حلوة بدها مساعدة.
مرت أبوها ما تركتها بحالها وصارت تدوّر عليها بدها تموّتها علشان تورث القصر لحالها، سألت هون وهون لحد ما اندلّت عليها، أخذتلها معاها تفاحة مسمومة واتنكرت بزي عجوز مسكينة، دقّت الباب وطلبت من بياض الثلج مساعدة، فساعدتها بياض الثلج لإنه طبيعي أي بنت حلوة لازم تكون كمان طيبة وبتحب الغير، راحت العجوزأعطتها التفاحة شكر إلها للمساعدة، فأكلتها بياض الثلج وغصّت فيها ووقعت وأغمى عليها.
هون تركتها مرت أبوها تموت على مهلها، وبجيّة الأقزام اللي لقيوها وحاولوا يصحّوها بس ما صحيت، فقعدوا يبكوا عليها لإنهم فكروها ماتت، وكان فيه أمير من بلد ثانية طالع يعمل جولة بين البلدان يدوّر على عروس وكان مارر بالصدفة من الغابة فسمع صوت البكا، وقّف وسأل عن القصة، هون الأمير طلع متعلّم إسعافات أولية، وقال لحاله هالبنت حلوة وبيضا كثير وبتستاهل أنقذها، ولو كانت بياض الثلج أغمق شوي كان تركها تغصّ وتموت، نزل عن حصانه ومسك بياض الثلج وعمللها انعاش وتنفس اصطنعاعي، فصحيت، وحكتلهم شو صار معها، فقال الأمير: هاي أكيد مرت أبوكي مش تاركيتك بحالك، سيبك منها واتجوزيني، أنا قصري أكبر وأحلى، هون بياض الثلج وافقت على طلب الأمير، لإنه أمير من مستواها وكمان أنقذ حياتها زي القصص الخرافية، وركبت على حصانه وسافرت معه، وراحت عالشباب الطيبة.

ثاني خرّافيّة: السندريلا

يحكى أنه كان فيه بنت اسمها سندريلا عايشة مع مرت أبوها الشريرة وبنات مرت أبوها البشعات، وطبيعي عالأكيد إنه مرت الأب شريرة دايماً، وطبيعي جداً إنه السندريلا هي الوحيدة الحلوة في القصة، وهي الوحيدة الطيبة لإنها حلوة.
كانت السندريلا تشتغل كل شغل البيت لحالها، وخواتها اللي من مرت أبوها ما بيساعدوها، وطبيعي إنه يكون في البيت أخت بطلع كل الشغل من قبّتها وفيه خوات ثانيات ولا عند بالهن.
أعلن أمير البلاد عن إقامة حفلة بده يلم فيها كل بنات البلد لتنقي أمه منهن وحدة تجوزو إياها، وطبيعي وجود مثل هيك مناسبات للمعاينه والاختيار، وقرّرت سندريلا تحضر الحفلة بلكي يختارها الأمير وتخلص من شغل الدّار، بس هي كانت فقيرة وما عندها فستان حفلة، فا طبيعي راحت لفّت على كل صاحباتها وجاراتها وقراباتها تا تستعير فستان خرج الحفلة، ولقيت واحد عجبها لبسته وعملت شعرها وحطّت مكياج، وراحت عالحفلة.
هون الأمير أعجب فيها من أول ما شافها، ورقص هو وياها ساعات وساعات، لحد ما دقّت الساعة 12 بالليل، زاحت السندريلا الأمير وراحت تركض لإنها اتأخرّت عن الدّار وبلاش تصير جريمة شرف، ولإنها ركضت بسرعة فا طبيعي إنها تتفركش إجرها وتوقع وتسحل كندرتها وتكمّل عالدار حافية من اللّخمة، ووصلت الدّار بستر وستيرة وما شافها حد.
هسا طبيعي إنه الأمير ياخذ كندرتها ويلفّ بين البيوت يدوّر عليها لإنه معجب فيها، بس مش طبيعي أبدًا إنه السندريلا هي الوحيدة في البلد اللي نمرة كندرتها 38، وباقي بنات البلد نمر كنادرهم 39 و 40 و 41 تا ما وحدة فيهن دخلت رجلها بالكندرة، ومش طبيعي أبدًا إنّه الأمير ما لقي وسيلة يميّز فيها السندريلا غير (الحذاء)، ومش قادر يتذكّر ملامحها وهو اللي رقص معاها ساعات وساعات، إلا إذا كان أصلاً مش مركّز فيها، برقص مع وحدة وبيتطلّع بوحدة وبغمز بوحدة، وهيك..
لمّا الأمير لقي السندريلا واكتشف إنها فقيرة بطّل يتزوّجها، وهيك اتعلّمت السندريلا بالطريقة الصعبة إنه ما حدا بينقذ حدا، وإنها لازم تنقذ حالها بحالها وتلاقيلها طريقة أذكى من هيك المرّة الجايّة.

ثالث خرّافيّة: ذات الرّداء الأحمر

كان فيه بنت صغيرة إسمها ليلى اشترتلها أمها جاكيت أحمر حلو كثير، كانت تحبّه وتلبسه دايما جوّا الدار ولمّا تروح عالمدرسة وحتى لما تنزل تلعب بالحارة.
في يوم من الأيام خبزت أمها كعك وحطّت منهم شوي بالسلّة ونادت على ليلى وحكتلها وصيلهم لجدّتك. هون ليلى على طول لبست الجاكيت الأحمر ونزلت ركض على بيت الجدّة.
لمّا وصلت البيت لقت الباب مفتوح، ونادت على جدّتها، بس جدّتها ما ردّت، سمعت ليلى صوت مخيف طالع من غرفة جدّتها، فدخلت الغرفة ولقت الذيب، هون ليلى ارتعبت و رجعت عالبيت ركض وحكت شو شافت لأمها وأبوها.
أبوها لمّ كل رجال العيلة  ونزلوا على دار الجدّة بالمسدّسات والسيوف والكريكات، ولمّا وصلوا ما لقيوا الذيب لإنه مش معقول لحد هسه بستناهم، والجدّة ماتت وشبعت موت، لإنه أي حدا بياكله الذيب عالأكيد بيموت. 
الكل زعل عالجدّة، وليلى بكيت كثير، ودفنوا اللي ظلّ منها، والكعكات اللي كانن في السلّة وزّعوهن عن روح الجدّة.

رابع خرّافيّة: بوكاهانتس

المفروض في هاي الخرّافية إنه جون سميث وبوكاهانتس بيحبوا بعض، لإنه الحب ما بيميز بين عرق ولون ومستوى أو قبيلة، بس اللي صار فعلياً إنه بوكاهانتس كانت مجرّد علاقة عابرة، لإنه جون سميث بعد فترة سافر بناءً على طلب الملكة لمستعمرة ثانية وما رجع أبداً. 
بوكاهانتس تعبت وهي بتستنا جون سنة وسنتين وثلاث، فكرته مات فاتزوّجت ببساطة انجليزي ثاني، وكان إلها منه والد.
هاد الثاني أخذها بالسفينة لإنجلترا لتقابل الملكة، والبلاط الملكي كلّه كان متحمّس لمقابلتها، ليشوف قصة نجاح الإنجليز في ترويض وحوش العالم الجديد، يعني على بلاطة كانت رايحة للإنجليز تا يضحكوا عليها.
هناك في البلاط الملكي قابلت جون سميث وعرفت إنه ما مات، سلّم عليها وقالها: زورينا.
هون بوكاهانتس صارت بين نارين، نار الحب الأول ونار الوفاء لزوجها، وظلّت طول الليل تفكّر.
لمّا طلع الصبح الله هداها وقالت لحالها: خلّي العقل منك يا بنت، اللي عرفك أكيد عرف بعدك سبعين وحدة، ما إلك غير جوزك وأولادك، وأهلك اللي بيستنوكي هناك.
وفعلاً ظلّت وفيّة لزوجها، وركبت معه السفينة تترجع للعالم الجديد، بس المسكينة ماتت عالطريق.

خلص بيكفيكو خراريف.. انطمّوا ناموا..

04‏/11‏/2012

حجاً مبروراً

" هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية.. سمعتها عبر شباك غرفتي.."

ذهبت تلك الستينية لأداء مناسك الحج.. ورافقها ابنها الثلاثيني.. محرماً.. ومعاوناً.. و بعد أن تضرّعا وبكيا.. وجاهدا.. رجعا..
قابلتها بناتها بالدموع.. وكانت زوجته مشتاقة.. وابنته الصغيرة..

قالت لها أمه.. 
- مالك هيك نصحانة؟ مش مخلية إشي من شوكولاتة العيد؟
فردّت زوجته..
- هادا من الهنا.. عشرين يوم بلا شوفة هالحدا..
قالت أمّه..
- هيك بتردّي.. شو بده يطلع منك؟ ما إنتي بنت..... (زامور إنذار الحريق)
فردّت هي:
- ما شاء الله عنكو! اللي بسمع بفزع! مش يعني إنتو ولاد .... ( زامور إنذار القصف)

جرّ زوجته إلى بيته.. وتشاجرا..
- أنا ما بحترم اللي ما بحترم أمي..
- وأنا ما بحترم اللي ما بحترم أهلي..
- ما دامو هالقد غاليين عليكي روحي عندهم.. روحي..
- بتطردني من بيتي يا إبن أمك..
- بس. وطي صوتك.. فظحتينا..
وأغلق النافذة..

جمعت ثيابها وخرجت..
وبعدها وصل المهنئون..
تقبل الله طاعتكم..

17‏/07‏/2011

أنــــا...

من أنا؟
أنا جلجامش.. لن تنتصري علي يا عشتار.. لن تقتلي أنكيدو.. سأطعمه زهرة الشباب وسأسحق الأفعى.. وسنركب البحر سوياً.. سنبحر في فـُلك نوح حتى شواطئ قرطاجة.. فأنا هنيبال.. وسأسحق روما.. وسأدوس الخونة أيضاً بالفيلة.. لن يتآمر علي أحد.. وسأنتصر.. سأحرق روما.. فأنا نيرون.. وأنا قورش العظيم.. العالم كله ملكي.. حتى إنجلترا.. وسأهزم الملك آرثر.. وسأطيح بروبن هود.. وسأسرق ليديا.. وسنركب معاً الباص الأحمر ذو الطابقين حتى فرساي.. وحبيبتي أوسكار تنتظرني عند حائط الباستيل.. فأنا أندريه.. ولن تقتلني الرصاصة.. فأنا أرتدي سترة واقية.. ومعاً سنقود الثورة.. وسنحرّر العالم.. وسنحكم العالم.. أنا وأنت.. أنا ملك وأنت ملكة.. وأنا.. من أنا؟.. أنا كاتم صوت.. في مسدس قاتل مأجور.. وأنا سيارة مفخخة.. وأنا..
.... 
إييييييه.. طيب يمّه هلكتيني.. هيني جاي.. 
....

من أنا؟
أنا الظاهر عمر .. وكل يوم أ ُحشد إلى المدرسة.. وأنجو... نعم.. أنجو... وأخوض في اليوم الواحد غمار عشرات المشاوير.. قصدي.. المعارك.. من أجل أمي وجدتي.. من أنا؟ من أنا؟ 


أنا بطل أسطوري !


13‏/07‏/2011

كرتـونة تـايـد

شورت قصير كحلي و"شبشب" بني رخيص.. في قمة الشارع قرفص محمد وأخذ بربط الكراتين.. " عبوده .. جيب معك سكّينة".. يخرج عبود من باب الدار مسرعاً حاملاً السكين.. يتوجه أسفل شجرة التين التي يستفيء بظلها 15 كرتونة هي حصيلة مرابطة محمد وعبود كل مساء أمام الدكان.. يلتقط كرتونة تايد وكرتونة شيبس البوشار ويسرع باتجاه محمد.. وينهمكان بالقص والتربيط.. 

ترصد سلمى المشهد من الشباك وتنطلق كالقذيفة نحوهما.. فستان أحمر قصير جداً و ربطة شعر بيضاء في قمة الرأس ترفع شعرها الأشقر عالياً ليسقط في كل الأنحاء كنافورة ماء.. وقدمان حافيتان..

سلمى: " بدي ألعب معاكو.."
محمد: " أفففف.. ما أزنخك.. فش يوم نطلع نلعب فيه إلا وبتنطيلنا.."
عبود: " اسمعي.. بالأول دورنا أنا ومحمد وبعدين بيجي دورك."

يرتمي كلاهما على بطنه فوق مزلاجين من الكرتون ويرفعان اليدين والساقين عالياً.. " يللا يا سلمى دزّينا" .. تمسكهما سلمى من رماّنة الساق وتدفعهما تباعاً.. ويتزحلقان بسرعة نزولاً في الشارع الضيّق.. صراخ وضحك عالٍ جداً.. 

سيارة سوداء كبيرة تقلّ رجلاً بربطة عنق ونظارة شمس وطفلتين.. " شكلنا يا بابا ضيعنا الطريق..." يصمت الرجل برهة ويفتح النافذة فيرى طفلين.. راما و نادين أيضاً تنظران للطفلين.. تفتح نادين النافذة وتقول باستهجان.. " شوفي شو بيعملوا ! "..

ينادي الرجل على الطفلين فيقتربان.. " يا شطّور ناديلي أبوك من البيت".. يسرع عبود نحو المنزل لينادي والده.. ويقترب محمد من النافذة الأخرى فيرى بنتين.. ويبتسم.. " تعالوا إنزلوا إلعبوا معنا ".. فتردّ إحداهما بقلق.. "إحنا ما بنلعب في الشارع !" .. وتغلق النافذة..
يعود عبود برفقة والده.. ويتحاور الرجلان حول اتجاهات وإرشادات ما.. وتنطلق السيارة..

تنظر نادين لوالدها.. " بابا.. شفت هدول الأولاد.. بيتزحلؤوا عالكرتونة بالشارع" !
" معلش يا بابا.. هدول  يا بابا فقرا.. ما عندهم سكيتس.. مساكين.."
فتنطق الأختان معاً وبتنهيدة مشتركة.." يـا حرااااام".. 

يشدّ محمد عبود من يده.. " شفت.. كان فيه في السيارة بنات.. حكيتلهم ينزلوا نلعب بس ما رضيوا.."
" ليش؟ شو ما لهم؟ "
" مش عارف.. ما بدهم ينزلوا من السيارة.. شكله أبوهم حابسهم.. مساكين.."
" بيحزنوا.. شكله أبوهم شرير.." !
وبأسى مشترك.. " يــا حراااام "..

"اسمع.. هاي سلمى فضحتنا.. إلها ساعة بتصرخ.. يللا نروح ندزها.."
"أنا راح أروح قبلك.. هاي .. سبقتك.. آنا الأول..آنا الأول.."
" إيه اسبقني.. عااادي.. أصلاً.. الأول حمار.. واللي بالآخر شطّار.. الأول حمار.. الأول.."

26‏/02‏/2011

قيس من المريخ... وليلى من عطارد...

كان يا مكان في سالف العصر والأوان..
قصة عشق أبدية اشتعلت في هذا المكان..
في مضارب بني عامر وتحت لهيب شمس الصحراء الحارقة..  
ولد قيس وكان الابن الأكبر لعائلته.. 
وولدت ليلى..ابنة عمه..البنت التاسعة لعائلتها...

لعبا سوياً في طفولتهما.. خلف الأشجار وبين الأحجار..
ركضا سوياً خلف الماعز...
لطّخ قيس وجهها بالطين.. وعادت لأمها باكية..
ضحك الكبار وقالوا.."العب معاها ودير بالك عليها.. يمكن بكرة تكون من نصيبك"..
فرد قيس بكراهية تقليدية تجاه بنات هذا العمر..."يييييع.. ما بدي اياها.. هاي زنخة"..
لكن وما أدراك يا قيس؟ ما أدراك ما تخبئ لك الأقدار؟

كبر قيس وليلى بسرعة ودون أن يدركا ذلك.. وفي ذروة البلوغ وقع قيس في غرام الكثيرات.. لكنه كان حباً هزيلاً ولم يدم.. قرّر الاحتفاظ بحبه حتى حين.. انتظر التي ستهز قلبه هزاً.. وكبح جماح حماسته وقتاً.. وامتثل لأوامر والده الملوّح.. "يا با ركّز على دراستك وبلاش همالة.. بدنا اياك تتخرّج وتتوظّف وتشرّفنا.."    

يتخرّج قيس ويحصل على عمله الأول وراتبه الأول فالثاني فالثالث.. تطرق مسامعه عبارة ممتعة "خلص صار لازم نجوزك".. تحمّس لها.. عادت له حماسة الشباب التقليدية.. 
ظلت هذه العبارة تلوح في الأفق.. وبعد زمن ليس بقصير اتخذ قيس القرار ووضعها حيز التطبيق.. وحصل على العرض الأول .. "إيش رايك في بنت عمك ليلى؟ والله ما بنلاقي أحسن منك يا عم.. إنت منا وفينا".. بدا العرض مغرياً.. وتذكر أيام الطفولة الجميلة..

كانت المصلحة متبادلة.. فجمال ليلى بالكاد سجّل ثلاث درجات فاصلة أربعة على مقياس رختر.. وقيس سيضمن الحصول على عروس "رخيصة" وعمّه "راح يراعيه عالآخر".. أضف لذلك أنها منتجة كونها "موظفة".. فكّر قيس... على بركة الله...
يهديه أبوه ألف دينار ويسكنه منزلاً من غرفتين بمنافعهما في الطابق الثاني.. تبيع أمه ثلاث من أساور الذهب ذات العيار الثقيل مع قرض بنكي لخمس سنوات.. الخطبة هذا الصيف والزواج في الصيف المقبل...

ليلى حامل منذ الليلة الأولى للزفاف.. تسعة أشهر وتضع وليداً.. أربعون يوماً حامل من جديد.. حليب حفاضات "واع ويع" مركز صحي ومستشفى.. أزمة مالية وارتفاع حجم المديونية..
احتاج الاثنان لوليدين ليدركا بأن عليهما أن يضبطا الأمور أكثر..
مشاكل من هنا وهناك.. لكن ما زال الحب عامراً وفتياً وقوياً..

ليلى تريد سيارة.. وقيس يستهجن "من وين بدي أجيبلك؟".. ليلى مصرّة.. "خلص بيعي ذهبك واشتري سيارة".. "أي ذهب؟ ليش إنت جبتلي إشي؟ ما إنت أخذتني ببلاش!!"... " هاد اللي طلع معك يا بنت العم؟.. مش بكفي جبرت عليك واتجوزتك... صحيح تكفرن العشير"..." الله ياخدك.. طلقني"... يخرج قيس من المنزل وكأنه لم يسمع شيئاً... خلافات تقليدية وتستمر الحياة.. ويتصالحان كثيراً ويتعاركان كثيراً..

قبل نهاية العقد الأول من الزواج.. تطرح ليلى مقترحاً.. علينا أن نمتلك بيتنا الخاص.. قرض بنكي جديد لعشرين سنة قادمة وسنمتلك بيتنا الخاص.. يعارض قيس وكيف سيترك بيت والديه.. وتغضب أمه.."بدك تقطعيني من إبني".. هنا تبدأ الحرب الحقيقية...
مشادة كلامية فرمي للأغراض وصفعة على وجه ليلى... ليلى "حردانة بدار أبوها".. وتترك له الطفلين في عهدة والدته.. "زعلة" بين الأب والعم وانقسام داخلي في القبيلة.. تضيق أمه ذرعاً بالأولاد.. ويضيق هو ذرعاً من نقص التمويل.. فليلى احتفظت براتبها طول فترة "الحردان"..

الحل بسيط ويرضي جميع الأطراف.. هذا ما اقترحه حكم من أهله وحكم من أهلها... 
قرض لتوسعة بيت الطابق الثاني وتحصل ليلى على منزلها وقيس يلازم أهله.. "باسم مين راح يتسجل البيت؟".. تعترض ليلى.. " باسامينا احنا الثنين.. ما أنا بشتغل وبصرف عالبيت زيّه".. تصرّ ليلى.. ويوافق قيس على مضض..

يموت والد قيس ويترك له إرثاً ثقيلاً.. أمه وشقيقتين لم تتزوجا.. ويتضاعف حجم الإنفاق.. مصروف خاص لأمه وأخواته.. وليلى تغلي.. تحاول أن تبقى صامته وما باليد حيله.. لكنها تصرخ من وقت لآخر.. "ما أنا بصرف عاللّي  خلّفوك".. تنزح أمه من بيتها إلى بيته لأسابيع وشهور.. حرب أهلية.. "وبعدين معاها أمك".. صار الوضع لا يطاق.. يهرب قيس كل ليلة لمضافة بني عامر حتى ينتصف الليل..
لكن ورغم كل الأزمات والخلافات.. ما زال الحب عامراً.. ومازال الاثنان قادرين على التناسل!!  

تمرّ السنون.. ويكبر قيس وليلى.. يصاب رأس قيس بالتصحر.. ويغرق خصره تحت طيّات بطنه.. وتكتنز ليلى بالدهن.. يكبر الأبناء وحدهم في غرفهم خلف سمّاعات الرأس.. وتكبر همومهم.. "يا با قسط الجامعة".. "يا با موبايل جديد"... " الله يلعن أبوكو"...

تموت والدته وتتزوج إحدى الشقيقتين.. تنتقل الأخرى لبيت قيس.. ليلى تولول.. "شو بدك يعني أخلي أختي تسكن لحالها؟".. شر مستطير.. تهاتف ليلى كل من تعرفه بحثاً عن عجوز ما.. أرمل أو راغب في التجديد.. لتتخلص من تلك العانس..

ويكبر قيس وتكبر ليلى.. يصل قيس سن التقاعد.. ويقضي صباحاته أمام دكان أبو ابرهيم.. ومساءاته في المضافة العامريّة.. البيت الذي كان عامراً بالأمس صار خاوياً.. تزوج بعض الأبناء وسافر الآخرون للعمل.. ارتقى قيس وليلى لرتبة الحج والحجة.. مع أنهما لم يزورا بيت الله أبداً.. وقرّت أعينهما برؤيا الأحفاد..  

يموت قيس في سن السبعين من مرض عضال.. وتبكيه ليلى كثيراً وتفتقده.. وتصيبها الذاكرة الانتقائية فلا تتذكر إلاّ لحظات العشق والغرام.. اذكروا محاسن موتاكم.. تنجح في الصمود بعده لثمانية عشرة عاماً أخرى نكاية في الضغط والسكري وهشاشة العظام وقصور الغدة الدرقية... وقهراً لأبنائها وبناتها و زوجاتهم وأزواجهم أجمعين... 

وتصعد روحها إلى السماء.. تبحث عن قيس لتتوحد معه من جديد..
لازمته في الأرض وستلازمه في السماء..
وتنتهي بذلك الملحمة الخالدة... 
ملحمة حب ما بعدها ملحمة..
دام عشق قيس وليلى للأبد..
في وصفه أبدع الشعراء..
وتغنّت به رمال الصحراء..

27‏/11‏/2010

الله يعين الخرج !

محمد بالعادة واحد كشر ونكد، ومنظره عالصبح بيقطع الخميرة من العجينة، واليوم بالذات كانت ملامح وجهه كفيلة بإنها تمحي أي أمل متبقي عند الناس بالعالم, أو حتى إنها تهدّ الجبال! وجهه أسود وبوزه شاحط عالأرض وعيونه ضيقة وزي اللي بده نكشه عشان ينزل فيك ضرب.
 طبعاً بما أني صاحبه بالشغل ومكتبي جنب مكتبه، لازم أسأله عن حاله وعن السبب لكل هالملامح على هالصبح، وراح تتفاجؤوا إنه صاحبي محمد عنده دايما مبررات منطقية ومقنعة.

بديت بالجملة الاعتيادية اللي ببدا فيها دايماً:

- يا فتّاح يا عليم، خير مالك على هالصبح؟

- يا زلمة عف عني مش ناقصك إنت كمان.

- لا بالله عليك تحكيلي، يمكن أعرف أهونها عليك، يالله فضفض شوي.

- طيب. خذ يا سيدي.
  مبارح رجعت تعبان كالعادة من الشغل وبس أكلت، حطيت راسي عالمخدة بس لأرتاح شوي، 5 دقايق وبتصل أبوي بده أوصله على بيت أجر لواحد من القرايب. طيب يابا هسه أنا راجع من الشغل.. اتصل بواحد ثاني من إخوتي.. شوف جمال شوف أسامه.. طلعوا كلهم سبحان الله مشغولين! ما هم إخوتي هيك دايماً ما إلهم علاقة وبتطلع براسي..

- معلش يا أخي، بعدين بيظل أبوك.. أجر وثواب بتكسبه بهالختيار.
   
- ما أنا هيك حكيت لحالي وفعلا قمت بدي أطلع وتمسكني مرتي، وعلى قولها إنت بس شاطر تروح تجري لما أبوك بده إشي وأنا إلي أسبوع بترجاك تصلح كيزر الكهربا ومش راد علي، وصارت تصرخ وسمّعت كل الحارة، فحلفتلها يمين غير يتصلح اليوم بس تسكت.

- وبعدين؟

- ولا شي وصلت أبوي ورجعته ورحت أدوّر عالكهربجي، ولا أنا كهربجي وبرضى آجي، قال هو الثاني تعبان وخلص دوامه! حلفتله غير آخذه وأجيبه بالسيارة وأعطيه اللي بده إياه ترضي ييجي، وهو الثاني ما كذّب خبر قصني بالأجرة الله لا يوفقه! بس شو بده الواحد يحكي؟

- يا سيدي مش مهم، المهم المرة حلّت عنك.

- يا ريت! بس رجعت حكت لي لسه ظايل وقت بالنهار خلينا نروح عالمؤسسة نشتري أغراض، حكيتلها يالـلا ما هي خربانه خربانه! ويا حزرك شو صار معي بالمؤسسة؟

- شو؟

- اشترينا الأغراض وصفينا بالدور زينا زي هالناس وييجيلك واحد بدحش حاله قدامي: معلش معلش يا خوي معي بس غرضين خليني أحاسب قبلك! بالله عليك شفت زي هيك وقاحة؟

- آه وشو عملت؟

- كان نفسي أرقعه كف أجيب أجله، بس أكتفيت بإني أصرخ وأسب وما خليتله ليبعد من قدامي وهو الثاني ما وفّرني بس بالآخر رجع صف بآخر الدّور. بس ما كانت هاي هي المأساة الحقيقية !

- كمان؟

- كنت صافف سيارتي في موقف بالأجرة برّا المؤسسة وبس جيت أحاسب العامل قال بده ربع ليرة زيادة على الأجرة.. بسأله ليش؟.. حكالي غلاء محروقات.. أي شو دخل المحروقات بالإصطفاف؟ هي السيارة بتصرف وهي واقفة؟ بالله عليك أهبل هاظ ولا بستهبل؟

- هههههههه، لا هيك ولا هيك، بس حب يتشاطر عليك شوي، وأكيد راح يحط الربع بجيبته.

- يتشاطر على مين؟ أنا رميتله الأجرة بوجهه زي ما هي وظليت طالع من المكان.

- طوّل بالك يا زلمة، ما هي الدنيا هيك. لازم تصبر على هالبشر وتطنّش. وعلى رأي المثل " حطّ بالخرج حطّ ".

- أي الله يعينه هالخرج شو بده يتحمّل ليتحمّل؟ أي والله لو كان شوال لكان انفزر!
 لا وهاي لسه أحداث مبارح لسه كان لازم يكون في للنكد تكميله اليوم !   

- خير؟ كمان؟

- آخ بس آخ.. أنا مستأجر للولاد باص ميكرو ليوصلهم للمدرسه كل يوم. واليوم أول الشهر و زي ما بتعرف ظايل على دوام المدارس بس أسبوع وبخلص الفصل الدراسي، فحكيت بالمرّة بحاسب السواق مقدما عن هالأسبوع وبنخلص. وإذا بإبن الحلال مش عاجبه الحكي وبدّه أجرة شهر كامل مش أجرة لأسبوع. قال هو متفق معي على شهرية وما دخله إذا المدارس ظايللها أسبوع ولا عشرة!

- آه .. وإنشاء الله أعطيته؟

- ما يحلم أعطيه.. حكيتله روّح أنا راح أوصّل ولادي هالأسبوع.. ولسه بتحكيلي حط بالخرج ؟

- والله ما بعرف شو بدي أحكيلك؟ المعاملة مع الله.. حسبي الله ونعم الوكيل في هالناس..

- على قولتك.. هو أصلا لولا أنا مآمن إنه في رب لهالناس ومآمن بإنه فيه عدالة عند ربنا بالآخرة كان زمان رميت حالي من البلكونه... ولساتني صابر وبداري.. بداري أبوي وأخوي ومرتي ومديري وصاحب الدكانة ..

- خلص إفردها هالكشرة وهسه بعملك فنجان قهوة على كيفك مع سيجارتين وبينعدل مزاجك.



10‏/10‏/2010

كوميديا

مساءً وفي كل يوم يمد ظهره على كرسيه ويسترخي وفي يده فنجان القهوة، يحتسي منه على مهل، وفي اليد الأخرى يمسك جهاز التحكم عن بعد ويقلّب القنوات باحثاً عن مسلسله الكوميدي اليومي.
كان المسلسل شيّقاً، وفي كل يوم كان ترتيب المشاهد مختلفاً، وعنصر المفاجأة في انتظار المشهد الأكثر إضحاكاً يزيده فرحاً وبهجة.

بدأ المسلسل اليوم بإعلان الزيت الذهبي. تبدو الأم فرحة وهي تقلي الطعام، ومن ثم تنادي الأب وأطفالهما - طفلان فقط أو ثلاثة لا أكثر- يتجالسون حول مائدة الطعام ( طاولة السفرة ) تلك المائدة الطويلة والمليئة بأطايب الطعام من الدجاج المقرمش والبطاطس الهشّة والمقبلات الشهية والتّبولة الخرافية... يرى هذا المشهد ويغرق في الضحك...ويتذكر...
يتذكرعندما كان يفترش وإخوته الأرض، وطعام الغداء ممدود على الجريدة اليومية، وكل ثلاث أو أربع يتشاطرون الصحن الواحد. تذكر عندما غمس أصابعه الخمس الملتفة حول قطعة الخبز في صحن يخنة الفاصولياء، وأخذت أصابعه تجدّف بسرعة داخل الصحن بحركات دائرية مع عقارب الساعة، وأسرعت في التجديف وأسرعت حتى خلقت تسونامي عظيماً غرقت فيه كل حبات الفاصولياء المسكينة، ولم تنجوا إلى السطح قطعة لحم واحدة! تذكّر كل ذلك وأغرق في الضحك...

المشهد الإعلاني التالي. يفاجئ الزوج السعيد زوجته بعشاء فاخر على أضواء الشموع، وهي تبدو جميلة متألقة بثوبها الأحمر المكشوف، وكل ذلك بفضل الكريم المقاوم للتجاعيد، لله درّه! يا له من كريم سحري! وضحك...
وتذكّر...
أو في الواقع لم يتذكّر شيئاً... فعقله لا يحمل أي مشهد يجمع أمه وأباه أصلاً ولا يحمل مشهداً بدا فيه أحدهما أليفاً تجاه الآخر، وأقصى ما فاجأ أبوه به أمه هو ( بكسة الكوسا ) أو عزيمة عشاء مفاجئة تعدّها أمه رغم أنفها وعيونها المجعّدة نصف مغلقة من شدّة النعاس والإرهاق والتعب. تذكر ذلك كلّه وأغرق في الضحك... 

ولا تكتمل الكوميديا بدون مشهد العصير البنفسجي الذي يجمع العائلة معاً، أعماماً وعمات، أخوالاً وخالات، الجد والجدة والصغار يتراشقون الأحاديث والضحكات... وتذكّر...
تذكر حرب (الدّالية) التي افتعلتها إحدى زوجات أعمامه عندما قطفت كل أوراق العنب قبل شروق الشمس ولم تترك للبقية ورقة ناعمة واحدة، فخرجت أمه وباقي  السّلفات ليطحن بها في حرب من السباب شديد البذاءة، وخرج أعمامه البلهاء وقد صغرت عقولهم لتناسب عقول أولئك النساء، وكلّ تحزّب إلى جنب زوجه، وأسفرت الحرب عن قطيعة شديدة لم تنجح كل الأعياد الدينية والرسمية على حلّها... وأغرق في الضحك...

ما هذه الإعلانات التجارية؟
ومن أين يأتون بهذه الأفكار الخيالية؟

فجأة! تنقطع الإعلانات التجاريّة ليعود بث المسلسل الدرامي اليومي، فيتجهّم وجهه ويغادر إلى المطبخ، ويشغل نفسه بإعداد كوب من الشاي أو فنجان آخر من القهوة، أي شيء يسلّي به نفسه حتى تنتهي تلك الدقائق المملة. لم يكن بحاجة ليجترّ دراما حياته مرّة أخرى! لكن، سرعان ما انقضت تلك الدقائق وعادت الكوميديا للشاشة مرّة أخرى.

هذا الإعلان التجاري هو الأفظع!
كان يضحك كلّما رآه حتى تنشّق شفتاه وتتقلّص معدته ويسقط عن كرسيه.
تذهب امرأة لتزور مركز الأمومة والطفولة وسرعان ما تخرج سعيدة باسمة إذ نصحتها الطبيبة بالمباعدة بين الأحمال، ووصفت لها شريط الحبوب السحري، كل ذلك لتحسن رعاية أبنائها ولا تنهك جسدها الجميل... فضحك...
وتذكّر إخوته المئة. ربما لم يكونوا مئة لكنهم دوماً بدوا وكأنهم كذلك... 
وتذكّرأمه ولم يكن يعرفها في صغره إلاّ وهي ذات أطوار ثلاث: حاملاً - للتو أنجبت - مرضعاً - حاملاً - للتو أنجبت - مرضعاً - .......
تذكّر كل ذلك وأغرق في الضحك...
ضحك وضحك وضحك حتى باغته ألم حادّ في معدته، يصبّر نفسه لكنه ما عاد قادرا،ً ويهرع إلى الحمّام ليفرغ ما في جعبته...
يضحك ويضحك ويعجب! كيف يشكو أبناء شعبه أمراض المعدة، ويجربون الوصفات العشبية والمسهّلات الدّوائية أو ذاك اللبن الخارق المعين على الهضم، والعلاج سهل!
ساعة واحدة من الكوميديا الدّعائية كافية  لتحسّن مزاجك وتخدّر آلامك وتشفي كل أمراضك.

وأغرق في الضحك....      

12‏/09‏/2010

مدارسنا... أنعم وأكرم!

- آه يا عليا شو صار معك؟
- خلص، مديرة المدرسة قبلت البنات عندها بس بطلوع الروح! حكت لي المدرسة مليانة والبنات في الصفوف قربوا يوصلوا الخمسين. بس حكيتلها إنه هاي أقرب مدرسة لبيتنا وإني راح أشتكي إذا ما أخذتهم لرضيت تقبلهم بالمدرسة.
- خلص مش ضايل غير ننقل الولد، أنا بكرة بحاول أطلع ساعة من الشغل وبنقل ملفه.
- بس والله يا خالد أنا مش متطمنة. خايفة هالمدرسة تطلع سيئة يعني شو خمسين بنت بالصف؟
- والله كويسة مو كويسة ما عادت تفرق. بدهم يكملوا تعليمهم بمدارس الحكومة أنا ما عدت أقدر على أقساط الخاصة!

                           ********************************

- ماما يارا كيف كان يومك الأول بالمدرسة الجديدة؟
- ماما المدرسة كتييير كبيرة والصف مليان بنات، وضلينا طول اليوم قعدين ما عملنا إشي وما دخلت عالصف أي مدرّسة.
- يعني يا ماما مش معقول تاخدوا دروس من أول يوم.
- مش بس أول يوم، البنات حكولي إنهم أول أسبوع بيضلوا يتمشوا بالساحة وما فيه دراسة.
- وإنت حبيبتي ندى كيف المدرسة؟
- ما بحب المس، ضلت تصرخ علينا وتخوفنا وضربت البنات بالعصاية.
- معلش ماما ما تخافي بس إنت ضلي شاطرة ومؤدبة وهي بعدين راح تحبك.

                           ********************************

 - بابا بدي دينارين، بدي أعمل بحث لمادة الأحياء.
- بابا مش أول مبارح أعطيتك خمس دنانير حكيتيلي للأبحاث؟
- آه بابا هدول الفلوس أبحاث لغير مواد، ولسه راح أرجع آخد منك فلوس كمان للأبحاث الأسبوع الجاي.
- أنا مش فاهم ليش بتعملي كثير أبحاث؟ وليش بتدفعي فلوس كتير لتعمليهم؟
- بابا ما أنا بطبع مع البحث صور ملونة علشان يبين أحلى والمس تعطيني علامات عالية وصاحب المحل بيطلب كتير فلوس عالأبحاث الملونة.
- مين صاحب المحل؟ إنت يا بابا ما بتعمليهم بالبيت؟
- يوه يا بابا وليش أغلب حالي؟ بشتريهم جاهزين من صاحب محل الإنترنت اللي جنب المدرسة، خلص إنت أعطيني الفلوس وماما بتفهمك.
- يا خالد ما هو نظام المدارس تغير، مش دايماً إمتحانات، صاروا يطلبوا من الطلاب أبحاث ويعطوهم عليها علامات.
- شو يعني بيعلموا أولادنا يشتروا العلامات بدل ما يدرسوا ويمتحنوهم؟
- لأ طبعاً، مفروض الطالب يجتهد ويقرأ ويدرس المراجع علشان يعمل البحث، بس الطلاب ما بتغلّب حالها لإنه المدرسين ما بيقرؤوا الأبحاث بس بيتفرجوا عليه من برّه وبيعطوا علامة. يارا حكتلي إنه فيه بصفهم 48 بنت وأكيد المدرّسة ما راح تقرأ أي بحث بيعملوه.
- ممتاز والله، أنعم وأكرم! يعني فوق الفشل والغباء اللي عند أولادنا وكمان ما راح يفتحوا الكتب ليدرسوا للامتحان وفوق هاد كله دفع فلوس، لا والله يرجعونا عالنظام القديم ويمتحنوا الطلاب أشرفلنا، ودخيلك هالعملة كم مرة بدنا نعملها في السنة؟
- مش متأكدة بس يمكن أربع مرات.
- يا حبيبي! ما أنا قاعد على بنك لأشتري لأولادك أبحاث، هاد وكل اللي عنا ثلاثة! واللي عندهم خمسة ولا ستة بالمدارس شو بدهم يعملوا؟ 

                          ********************************
- اهئ اهئ ... ماما ....
- مالك ندى حبيبتي؟ ليش بتبكي؟
- ماما فه بنات كبار ضربوني بالفرصة وأخدوا فلوسي، وحكولي بكرة راح ياخدوهم كمان، ماما ما بدي أروح عالمدرسة.
- طيب ماما إنت بتعرفيهم للبنات؟
- لا ما بعرفهم.
- لأ ماما خلص لا تبكي، بكرة بروح معك عالمدرسة وبشوف المديرة. 


- عليا شو صار معك؟ رحت عالمدرسة علشان ندى؟
- آه رحت ويا ريتني ما غلبت حالي ورحت.
- ليش؟
- رحت عالمديرة وشبه طردتني، حكتلي روحي عالمرشدة النفسية أنا مش فاضيتلك.
- وبعدين.
- رحنا عالمرشدة وما كانت في مكتبها ونص ساعة وإحنا بندورعليها تلقيناها بتشرب قهوة مع المدرسات في غرفة الرياضة، ولما حكيتلها عن ندى صارت تضحك علي وحكتلي علشان هالمسألة التافهة جاية؟ وشو بدي أعمل لبنتك وهي مش عارفة مين البنات اللي ضربوها؟
حكيتها بسيطة إطلعي مع البنات عالفرصة وراقبي الوضع وشوفي مين البنات اللي بتسلطوا على هالصغار. فرطت من الضحك وحكتلي هاي اللي ضايل علي أشتغل مراقب على بناتكو! ودارت وجهها عني وكملت شرب القهوة وطنشتني ولا كأنه فيه بني آدمة قاعدة تحكي معها. 
طيب إذا ما بدها تحل مشاكل البنات ليش معينة بالمدرسة؟ لتشرب شاي وقهوة؟
- لا حول ولا قوة إلا بالله، أصلاً الحق على نظامنا التعليمي الفاشل اللي بيعمل مدارس فيها من الصف الأول للصف التوجيهي في مبنى واحد وبيخلط كل هالأعمار سوى، كم دولة في العالم بتقسم المدارس الإبتدائي لحاله والإعدادي لحاله والثانوي لحاله، وفوق هيك مرشدة نفسية بدها إرشاد نفسي!
- طيب وشو بدي أعمل يا زلمة؟ البنت بتبكي واليوم رجعت معي عالبيت وما رضيت تدخل الصف.
- وأختها يارا وين عنها؟ نادي عليها ووصيها تدير بالها عليها وتقعدها معاها بالفرصة.
- طيب وبنتي عندها أخت أكبر منها، ولو بنت تانية ما إلها حدى يدير باله عليها شو تعمل؟
- ولا شي بتنضرب كل يوم وبتتعقد نفسياً من المدارس، وبتعيش مع العقد طول عمرها!

                         ********************************

- خالد إلحقني، وسام من أول ما دخل هالمدرسة ما فتح كتاب ولا درس لامتحان، وعلشان تكمل اليوم كان في البيت من الساعة عشرة، قال شو! هرب من المدرسة!
- وله وسام، تعال لهون...
- نعم بابا.
- تعال أشوف ليش هربت من المدرسة؟ ليش؟
- بابا كل الصف هرب وما ضل غيري، يعني شو بدي أضل أعمل لحالي ؟
- ووين الأستاذ عنكم؟ ما كانت رحت وناديت الأستاذ ولا المدير قبل ما يهرب الصف؟
- بالله؟ بدك إياني أكون نذل وأفسد عن صحابي؟ وبعدين الأستاذ شافنا وإحنا بنط عن السور وما حكا إشي.
- عال والله! وكمان من فوق السور! مين هاد الأستاذ إحكيلي إسمه والله لأروح وأشتكي عليه.
- بحكيلك بس ما تحكيلهم إسمي لما تشتكي عليه، ترى الأستاذ هاد مجنون وبكرة بتقصّدني وبيرسبني!


- آه خالد، رحت على مدرسة وسام؟
- آخ بس آخ...، يا ستي رحت وبس دخلت المدرسة الله لا يورجيك شو شفت! المدرسة قايمة قاعدة والمعلمين صافين الكراسي في الممرات وبيشربوا قهوة وبيدخنوا، والطلاب بتراكضوا بين الصفوف وفيه طلاب كانوا في الساحة بيكسروا الأدراج وبيلحقوا بعض بالخشب المكسّر، أنا شفت هالمناظر وكان فيّ مخ وطار!  
- وبعدين؟
- دخلت عالمدير وأنا معصّب وصرت أصرخ وصار بده يهدّيني، قال شو بيحكيلي ما يهمك بس هيك المدرسة بأولها بس إنت أعطينا كمن أسبوع لنضبط الوضع! وفوق ما أنا معصب صار دمّي يغلي وصرت أصرخ وأحكيله المدرسة إلها مبلشة شهرين متى بدك تضبط الوضع؟ لمّا تخلص السنة؟ وطلعت من عنده وأنا مش شايف الضو وحلفت يمين لأشتكيه للي أكبر منه، إنشاءالله توصل للوزير!
- يعني وين بدك تروح بكرة؟
- لا ما أنا مباشرة من بعد ما طلعت من عنده رحت على مديرية التربية والتعليم ودخلت مباشرة على مدير التربية وصرت أصرخ، وحاول يهدّيني ويا أخي ما يهمّك وطلب منّي أكتب شكوى خطّية وبعدين هو بيشوف الوضع! مفكرني ولد صغير وكله ضحك عاللّحى لمّا يبقى يشوف الوضع بتكون السنة خلصت!
- طيب، والحل؟
- وأنا طالع من عنده ناداني واحد من الموظفين كان سامع صوتي وأنا بصرخ، وحكا لي مدير هالمدرسة إشتكوا عليه كثير ونقلوه من مدرسة لمدرسة وما فيه فايدة! كل ما يروح على مدرسة بيسيّبها وبتخرب! وأحسنلك تنقل إبنك من المدرسة وأعطاني إسم مدرسة ثانية حكالي إنها منيحة وفيها تدريس ونظام، هي بعيدة شوي بس شو بدنا نعمل؟ الصبح وأنا طالع عالشغل بوصل وسام بالسيّارة والضهر بعلمه كيف يرجع لحاله بالمواصلات.
- يا سلام هاد هو الحل؟ ننقل أولادنا من مدرسة لمدرسة؟ يعني ما بتنحل هالمسألة من جذورها وهالمدير وهالمعلمين السيئين ينفصلوا من وظايفهم؟
- شو هاي ينفصلوا؟ هدول موظفين حكومة، واللي بيشتغل بالحكومة كبيت أبي سفيان من دخله فهو آمن! وما بيطلعه منه غير التقاعد!
- وهاي الأشكال ليش تتعيّن أصلاً؟ حتى يارا حكتلي إنه عندهم مدرسة علوم ما بتفهم الخمسة من الطمسة، وهاي كيف بيشغلوها وهي ما بتعرف تدرّس؟
- لإنه الناس بالحكومة بتتعيّن بالدّور، شو مفكرتيها مؤسسة خاصة بدهم يعملولهم امتحان مستوى ومقابلة شخصية؟
مع إنه والله المدارس هي أول مكان لازم يتطبّق فيه هالنظام، لازم يختاروا أذكى ناس وأحسن ناس لتدريس أولادنا ويعملولهم كمان تقييم نفسي قبل ما يوظفوهم! أحسن ما يضيع مستقبل أولادنا!
- خالد مشان الله! والله خايفة هالاولاد يضيعوا خلّينا نرجّعهم عالخاصّة، الله يخليك.
- رجعت تحكيلي خاصة! لا تجيبيلي هالسيرة مرّة ثانية، شو بدك أعمل؟ أقطّع حالي ولاّ أشحد علشان يروحوا ولادك عالخّاصة! ما شفت الأقساط صارت نار؟ وأقساط يارا لحالها تضاعفت مرتين لإنها صارت بالثانوي! هاد الموجود. بس إنت ديري بالك عليهم ودرسيهم، ومثلنا مثل ألوف غيرنا، ما نص الناس اللي كانت في الخّاصة طلّعت أولادها السنّة عالحكومة وما حدا أحسن من حدا.

                          ********************************

02‏/09‏/2010

برنامج حواري

- ألو، مرحبا سوسو.

- أهلين، كيف حالك شو أخبارك؟

- اسكتي أخبار جديدة، مبارح إجاني عريس.

- والله! مبروك، شو هو وشو مواصفاته؟

- شو بيعرفني؟ رفضته عالتلفون.

- له، ليش؟

- ولا شي بس أكبر مني ب 18 سنة. لأ والمسخرة إنهم زعلوا لما حكتلهم إمي ما فيه نصيب لإنه أكبر منها، حكت أخته لإمي: شو يعني كبير؟ الزلمة ما بيعيبه عمره!
دخلك هاي أنا مش فاهمها - ما بيعيبه عمره - يعني اثنين بينهم عقود من الزمان كيف بدهم يتفاهمو وكيف بدهم يكون بينهم حوار؟

- ههههههههههههههههههههههه.
مرحبا حوار! هو أكيد راح يكون بينهم حوار بس أكيد هالحوار مش بالكلمات!

- هههههههههههههههههههههههه.
لوووووول! شو هالكلام الكبير! صايرة عميقة والله! ما عرفتك!

- ولسة إنت شو شفت؟ راح أفاجئك أكثر.
وبعدين ما تزعلي منها هاي - ما بيعيبه - راح تسمعي منها كثير أصلاً إحنا عنا منها سلسلة طويلة.

- زي شو؟

- يعني ما بيعيبه شكله وما بيعيبه كرشه وما بيعيبه صلعته وما بتعيبه الشهادة وإحنا بنشتري راجل.
تذكرت مثل كانت ستي تحكيه: (( جوزك رحمة ولو كان فحمة )).

- يا ساتر، لأ دخيلك يعني آخد واحد بشع وأصطبح وأتمسى بسعدان! حرام والله أنا بشر! والله نفسيتي بعدين بتتأذى!

- ههههههههههههههههههه. علشان هيك الواحد منهم بس يجي يخطب بيكون مفكر حاله - خارق للعادة - وإذا ما عجبك فيه إشي ورفضتيه ياويلك! بتطلعي إنت الغلطانة وشايفة حالك وشروطك كثيرة.

- آه وبالمقابل هو شاطر يتشرّط، بدي شكلها هيك وعمرها هيك وتعليمها هيك وأهلها هيك...
بس أنا كنت بدي أفهم، شو الإشي اللي بيعيب الزلمة؟

- أعوذ بالله! شو بتحكي إنت؟ ولك استغفري ربك! الزلمة ما بيعيبه إشي.

- ههههههههههههههههه. استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم.
بس بتعرفي إم السوس، هاي أنا وإنت تفكيرنا عميق وبنطلع بنظريات مهمة، خرج أنا وإنت نعمللنا برنامج حواري.

- يا لهوي إنجنّت البنت!

- ولك ليش؟ بنعمل إشي زي كلام نواعم أو أوبرا أو زي هاد البرنامج الأمريكي التاني اللي كلام نواعم سارقين فكرته، شو اسمه؟

- The View

- أيوه هاد، يعني دخيلك هدول بيحكو كلام أحسن من اللي بنحكيه؟ والله أنا وإنت بنفهم أكثر منهم.

- حبيبتي الفكرة فاشلة من أولها، لإنا علشان ننجح بدنا حدا يحضرنا، الرجال ما بتشوف هيك برامج وعلطول راح يحكولك هبل وحكي نسوان. وحتى الستّات نصهم ما بيحضروه واللي بيحضروه بس ليتسلوا وما بيطلعو منه بفايدة.

-  بس عنّا إحنا العرب، والله البرامج الحواريّة برّة الناس بتحضرها وتتفاعل معها وبتتأثر.

-  هدول حبيبتي ناس بتحترم المرأة وبتشوفها عندها عقل وصاحبة منطق، أما احنا فنادراً ما حدا يحترمنا وغالباً ما بنفهم! وإن أعطيت رأيك بيحكولك أسكتي، صحيح " ناقصات عقل ودين "!
ولك بس يبطلوا ينادو علينا بالألفاظ السوقية  (يا مرا ويا نسوان)، وبدناش برامج حوارية.

- إلا صحيح يا إم السوس، إحنا ناقصات عقل ودين؟

- هالحديث صحيح، بس النبي برّر إنه نقصان العقل هو نقصان في الذاكرة علشان هيك شهادة الرجل بامرأتين ولما تنسى وحدة بتذكرها الثانية، ونقصان الدين بسبب الأيام اللي بتفوتنا فيها الصلاة من كل شهر، ونقطة عالسطر.

- شو قصدك نقطة عالسطر؟

- يعني هاي الأسباب وهاي النتيجة هيك النبي بينها، وما بطلع لحدا ياخذها أبعد من هيك ويحملها فوق طاقتها ويأوّل علينا، وبعدين نطلع غبيّات وفاسقات!
وبعدين أصل الحديث (( ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداكن ))
يعني فوق النقص اللي عنّا ولسّه قادرين عليهم! بس عاد هم بيتذكروا النص الأول من السطر وبينسوا النص التاني!

- لك شو هاااااااااد؟ كلامك كبير والله!

- إنت التانية، هدول كلمتين سمعتهم بالتلفزيون.

- بس والله نبرة صوتك هيك فيها قوّة إقناع!

- لعيونك! من بكرة بروح أدوّر على أول بيت أجر بالحارة وبألقي فيه موعظة، مش هيك إحنا صرنا أي حدا حفظله كلمتين من هالتلفزيون بيجي بتفلسف فيهن على سمانا؟

- طيب نرجع لموضوعنا، وبلالك دروس الدين وخلّينا نستغل طريقتك في الإقناع في برنامجنا الحواري.

- لسّه بتحكيلي برامج حواريّة. إنتي شو وجعك على هالمسا؟

- مش عارفة، هيك جاي على بالي أعمل إشي هادف وأعمل تغيير في المجتمع.

-ههههههههههههههههه. مش لما يكون المجتمع تبعك بيعترف إنه عنده مشكلة علشان تغيريه، ولا حتى بده يتغير أصلاً ؟
يا عزيزتي، علّمتني الحياة...

- استني استني. شو هاي - علّمتني الحياة - ؟ صايرة طارق سويدان؟

- مش حكيتلك راح أفاجئك!
علّمتني الحياة ... كنت أظنّ ...
...لأ لأ، استني مش زابطة مش عارفة أصيغها.

أيوه أيوه... هيها زبطت:
            كنتُ أظنُّ أنَّ الناس تتغيّرُ           لكنْ، علّمتني الحياةُ أنَّ الناسَ لا تتغيّرُ 

- هههههههههههههههههههههههههه.
لووووووول، حسيتك من شعراء المعلقات! والله يا صاحبتي حكيمة!
طيب ودخلك هدول اللّي ( لا يتغيّرُ ) شو بدنا نعمل فيهم؟

- بسيطة، بنرمي عليهم  قنبلة نووية بننسفهم عن وجه الأرض، وبنجيب بدالهم ناس جدد، مش تحكيلي برامج حوارية.

-  وجهة نظر!
وله! الله لا يعطيك العافية! من متى إلك بتحكي خلّص رصيدي!

- وله مش إنت اللّي اتصلت بدك تحكيلي عن عريسك - الخارق للعادة - وبعدين شوفي لوين وصلتيني؟

- خلص سلام هسه، وبكرة بشتري بطاقة وبنرجع نستأنف الحوار، ومن هون لبكرة بكون فكرت شو بدي أسمّي برنامجنا الحواري.

- شوفو الهبلة! صدقت حالها صار عندها برنامج وبدها تسمّيه كمان! سلام .    

  

24‏/04‏/2010

أذناب ( الجزء 2)

...
وخرجا متوجهين صوب مكتب المدير، دقّّا الباب ودخلا، وكان المدير يتحدث بالهاتف والسماعة على أذنه، " أبو سند بدنا نحي معك ".
" طيب اتفضّلوا - أبو رياض برجع بحكي معك بعدين " وأغلق سمّاعة الهاتف.
بدأ عصام وعبدالله بالترجّي وإلقاء عبارات الأسف والندم وتعهّدا أن لا يعيدا الكرّة، فسامحهما المدير وخرجا من عنده سعيدين، عند الباب: " اتفضّل علينا سيدي ... اتفضّلت ".
رفع أبو سند سمّاعة الهاتف وعاود الاتصال بصديقه أبو رياض.
-" سلام، مالك يا زلمة ليش سكّرت التلفون ؟ "
-" دخلو علي موظفين، قلت بخلّص منهم وبعدين برجع بحكي معك ".
-" شو بدهم؟ "
-" ولا شي ، اثنين مسّيحة جوخ، اجو يترجّوني ارفع عنهم العقوبات. "
-" بتعرف يا أبو رياض هذول الموظفين بيذكروني بدورة حياة الضفدع ".
-" كيف يعني؟ "
-" الموظف فيهم بيكون زي أبو ذنيبة أوّل حياته بيظل يهز بذنبه جوا المستنقع اللّي عايش فيه علشان يصل من مكان لمكان، بعد فترة بيبدا يتطوّر ويكبر، بصير جلده أخضر ومرطّب، وكل ما مر عليه وقت أكثر بيصير شكله مقزّز أكثر. لكن طِلع أو نِزل بيظل ضفدع! "
-"ههههههههه، ضحكتني يا زمة، والله عجبتني. بس يا أبو سند مش إنت كمان موظّف ؟ "
- " لا. أنا لحقتني نظريّة التطور وصرت هسّه حوت. "
-" هههههههههه، بتعجبني يا أبو سند. "
خلال عمله كمدير للدائرة عقد أبو سند الكثير من الاجتماعات الخفيّة، وجنّد العديد من الموظفين المخلصين له من الوصوليين والجبناء، و لم تكن العقوبات التي أتحف بها موظفيه إلّا وسيلة لاستقراء ردود أفعالهم ليتمكن من تحديد الحاشية المناسبة، ونجح نجاحاً باهراً في فرض سيطرته على المكان من خلال تجسيد معاني الشلليّة وضرب الموظفين ببعضهم والتفرقة بينهم.
عندما سُئِل أبو سند ما الذي يدفعه لمثل هذه التصرفات، قال معلّلا: " هذول الموظفبن مريضين نفسياً وشخصياتهم مهزوزة، ما بيشعر الواحد فيهم إنه بيسوى وعنده كيان إلّا إذا لقيله حدا كبير يستنجد فيه ويركن عليه، وبالمقابل وزي ما انت شايف أنا بعرف كل شي بينطبخ وبينقال بهالدائرة وأنا قاعد ورا مكتبي، وزي ما قال المثل: ’يا بخت من نفّع واستنفَع‘ " .
سلوكيات أبو سند السيّئة لم تصبّ في مصلحته، فقرّرت الإدارة العليا نقله من دائرته عقاباً له. وغضب أبو سند غضباً شديداً، وأراد رفض القرار لكنه لم يتجرأ أن يواجه الإدارة، فاستنجد بحاشيته لإثارة الفوضى ورفض القرار والاعتصام وتوقيع العرائض، واستجاب الأغبياء لمطالب زعيمهم وهم لا يدركون أنه قد وضعهم في الجبهة الأمامية في المواجهة واختبأ وراءهم ليحفظ لنفسه خط الرجعة. ولكن دون جدوى...
رغم أنفه أُجبر على ترك دائرته، وقبل أن يركب سيّارته ويبتعد، نظر لجموع الموظّفين المودّعة له ودموعهم تسيل على خدودهم، نظر إليهم باشمئزاز وقرف وقال في نفسه: " صحيح بتظلكو ضفادع ! "

19‏/04‏/2010

أذناب - ( الجزء 1 )

اجتمعوا في الساحة أمام المبنى وهتفوا " لا لنقل أبو حسام"، اعتصموا ذلك اليوم ورفضوا دخول مكاتبهم،" القرار تعسّفي" صرخوا... رفضوا قرار الإدارة العليا بنقل مديرهم، كتبوا العرائض، تظلّموا، طالبوا بإلغاء القرار... أعادوا الكرّة في اليوم التالي واليوم الذي يليه... ولكنّ قرار الإدارة العليا كان نافذاً.
ذرفوا الدموع يوم الوداع، " ما مر علينا أحسن منك يا أبو حسام"، " راح نستفقدلك بس شو طالع بإيدينا". ركب سيارته ورحل وفي اليوم التالي وصل المدير الجديد.
كأي مدير يريد "أبو سند" أن يفرض سيطرته وهيبته من اليوم الأول، لذلك عقد اجتماعاً منذ لحظة وصوله: " المهم عندي الالتزام، التزم بمكتبك ومهامك، لو سمحتوا ما حدا ينقل حكي عن الثاني، أنا لحالي بعرف الموظف اللي بيشتغل من اللي بايعها... ما راح أتهاون مع حد، ما فيه غياب بدون عذر، اللي بيغلط بيتحاسب، الكل تحت القانون حتى أنا..."
-" ماله هاظ عاصص على حاله هيك؟ "
-" خلّيه يا زلمة يحكي، مين اللي راح يرد عليه؟ طول عمرنا بنعمل اللي بدنا إياه وبس. "
-" هسه لو خلّولنا أبو حسام مش كان أحسن؟ "
-" اسكت واتركنا من سيرة أبو حسام من كثر ما كنّا نحبّه؟ "
-" مين حكالك إني بحبه، بس اتعوّدنا عليه وفهمنا كيف نعامله، هسه بدنا نبدا مع هاظا من جديد."
مرّت بضعة أسابيع وبدأت العقوبات تحلّق فوق رؤوس الموظفين، جلس عصام وعبدالله يتناقشان في الأوضاع الجديدة، فإذا بمحمد يدخل وعلامات الغضب واضحة على وجهه، " شفتوا هالمدير هالابن ال !!!!!!! خصم من راتبي وكلّه افترى وتبلّي".
-عصام:"حالي من حالك. "
-محمد:" طيب شو بدنا نعمل؟"
-عصام:"ولا شي بندخل عليه وبنتأسّف وما بنعيدها وسامحنا."
-محمد:"لا والله ما بعتذر، والله غير أشتكي عليه."
-عبدالله:" سيبك من هالحكي الفاضي، شو راح تعملك الشكوى؟ راح يحط حطاطك بزيادة، خلص اتأسفله وراح يلغيها."
-محمد:"يعني اتمسّح وأترجّى!"
-عصام:" يا زلمة الحياة كلها هيك بدها مداراة، ’والإيد الّي ما بتقدر تعضها بوسها‘! "
-محمد:"أصلاً مش جايب أجلنا غير أشكالك وأشكاله، أنا غلطان اللي جيت وحكيت معاكو، سلام."
نظرا لبعضهما البعض وأغرقا في الضحك على محمد المسكين الذي لا يدرك أين تكمن مصلحته، وخرجا متوجهين صوب مكتب المدير، دقّا الباب ودخلا، وكان المدير يتحدث بالهاتف والسماعة على أذنه، "أبو سند بدنا نحكي معك"
" طيب اتفضّلوا - أبو رياض برجع بحكي معك بعدين" وأغلق سماعة الهاتف.
بدأ عصام وعبدالله بالترجّي وإلقاء عبارات الأسف والندم وتعهّدا أن لا يعيدا الكرّة فسامحهما المدير وخرجا من عنده سعيدين، عند الباب: " اتفضّلت علينا سيدي... اتفضّلت."
عصام:"شفت كيف انبسط واحنا بنمجّد فيه، شفت قدّيش كبر راسه وانتفخ؟"
عبدالله:"انسى المهم التغت العقوبة، بس كل ما بدنا نشوفه بدنا نسلّم ونأهل... الله يعينّا!"
بدأ عبدالله وعصام رحلة الألف ميل في كسب ثقة المدير الجديد، لم يكتفيا بتملقّ المدير بل تحوّلا بعد فترة لساعديه الأيمن والأيسر. من مكتب لمكتب وبأسلوب استخباراتي كلاسيكي كانا يوكِلان الشتائم للمدير ويغرقانه بالانتقادات، فإذا ما بدأ الموظفون بالاستجابة حفظوا كلامهم ونقلوه في ثوان للمدير. أصبحا في غضون أشهر منافسين جادّين لمراسلي الجزيرة وال سي ان ان، لم يغفلا عن حدث مهما كان صغيراً. ولم يخل الأمر طبعاً من انتقاد المدير القديم، "والله احنا محظوظين فيك يا ابوسند، والله ابو حسام ما قدر يعمل اللّي عملته"، "ابوحسام كان متسلّط" ".. كان مدير ضعيف ما عنده قرار.." وهكذا (كُلَّمَا جَاءَت أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا).
وعندما سُئِل عصام وعبدالله عن السبب الذي دفعهما لمثل هذه التصرّفات علّل عصام:"كل المدرا مريضين نفسياً، الواحد منهم ما بيشعر بقيمته إلاّ إذا دخلت عليه اترجّيته أو مدحته، والمصلحة بالنسبة إلنا متبادلة، هو بتتحسّن نفسيته وبشعر بقيمته وإحنا بترتقع أسهمنا عنده وبيعمللنا اللّي بدنا إيّاه، وزي ما قال المثل يا عزيزي ’نفّع واستنفع‘".
طبعاً لم يدم الحال طويلاً، فمع كثرة الشكاوى في حقّ أبو سند قرّرت الإدارة العليا نقله من دائرته عقاباً له، وتكرّر المشهد مرة أخرى، اعتصم الموظفون واجتهدوا في توقيع العرائض وهتفوا، لكن لا فائدة، بكى الجميع بكاء تملّق ونفاق وهم يودّعونه، إلاّ اثنين منهم، كانت دموعهما حقيقية ووجعهما حقيقياً:
فقد أدرك عصام وعبدالله أنّ عليهما الآن أن يبدءا من جديد...

23‏/03‏/2010

تنظير !!!

" طفّاك القدر يا شمعتي.. خلاّني أذوق حسرتي.. "

على ألحان منبّه "سنوات الضياع" أفاقت خلود في الخامسة والنصف صباحاً ليبدأ مشوار العناء اليومي، استدارت ليمينها ونادت رجلها لتفيقه، " يللاّ قوم يا زلمة عنّا دوام" ( زلمة = رجل ، دوام = وظيفة - المصدر: معجم رد العامي إلى الفصيح).
فتح عينيه إلى نصفها وقال: "طيّب" وعاد وأغلق عينيه . قامت من فراشها متوجهة للحمّام، توضأت وعادت لغرفتها ونظرت إليه مرة أخرى " محمد يللاّ اصحا ".
مدت السجادة وأدّت صلاتها ولم تفقه منها شيئاً والأفكار تتزاحم في رأسها وهي تخطّط ليومها الطويل، قامت ونادت زوجها مرة ثالثة، أخيراً قام هذه المرة.
هرعت إلى المطبخ، وكأي موظفة بدأت بإعداد طعام الغداء حتى إذا ماعادت من وظيفتها وجدته جاهزاً، بدأت بتحضير "السندويشات" للأولاد، ولم تكد تنهي أول واحدة منها حتى صرخ زوجها: "خلود اعمليلي قهوة " - "حاضر استنّا شوي".
بعد دقيقة ونصف " خلود وين القهوة؟ " - " طيّب يا زلمة.. استنّا بس اخلّص سندويشات الأولاد ". بعد لحظات ناداها مرة أخرى فاستسلمت وتركت ما في يدها لتلبّي طبه أولاً.
أيقظت الأولاد من النوم، فأفاقوا على البكاء والعويل علّ أمهم ترحمهم من الذهاب للمدرسة، لكن دون جدوى، صرخت عليهم.. جرتهم مرغمين.. " إنتي اغسلي وجهك" - " إنت البس البوط "- " يا حمار. من مبارح حكيت لك جهّز الشنطة وحطّ الكتب والدفاتر.. ياربي! أنا لازم أعمل كل شي بهالبيت ".
انتعش الأولاد الآن، فتحوا التلفاز وبدأت حرب القنوات، mbc3 أو spacetoon ، بدأ الصراخ والضرب والسّباب، اشتدت المعركة، الأب انزعج، " يا مرا تعالي سكتي ولادِك ". ( مَرَا= كلمة امرأة منقوصة الأحرف والغرض الانتقاص من شخص المرأة - المصدر: معجم الألفاظ الدونيّة والسّوقيّة ).
قالت في نفسها (ولادِك)، نعم لقد أنجبتهم وحدها وعليها أن تفضّ النزاع وهو لا دخل له. نعم عليها أن تقوم بكل شيئ. انقضّت على الأولاد تنهر هذا وتضرب هذا، ثم عادت كالمجنونة لمطبخها لتنجز ما بقي من مهامها.
بسرعة البرق الساعة الآن السابعة والربع، ولم تنجز شيئاً وعليهم الآن أن يغادروا المنزل. قبل أن تتوجّه إلى الباب ذهبت لزوجها تمشي عاى استحياء وقالت: " محمد، اعطيني بطاقة الصرّاف الآلي لازمني شوية أغراض إلي وللبيت والأولاد ". - " ما في داعي هذا الشهر مصاريفنا كثيرة " - " بس الأشياء ضروريّة، طيب ما هو راتبي وبطاقتي ، من حقي اتمتع شوي بفلوسي وتعبي، لازم كل ما بدّي شي أطلب منك زي كإني بشحد، إنت ما بتعطيني أكثر من مصروفي وشكلي مقرف قدّام صاحباتي في الشغل، مرّات بدنا ... "
قاطعها فوراً وبصوت مرتفع نهرها: " شو فلوسي؟ خلصينا عاد مش شايفة وضعنا، بيكفيك اللّي بتوخذيه كل شهر، من متى المرا بتتأمّن على الفلوس؟ علشان تصرفيهن عالهبل والحكي الفاضي، يللاّ امشي اتأخرنا عالشغل " و هرع نحو الباب دون أن يعطيها فرصة لترد. خرجت مقموعة تجرّ أقدامها جرًّا وركبت السيارة ولم تنطق بكلمة.
دخلت غرفتها وجلست خلف مكتبها، فتحت الدرج وأخرجت كيسا مليئاً بالقهوة، صنعت إبريقاً من القهوة "السّادة" ونادت زميلاتها ليشاركنها احتساء القهوة، لا يمكن لموظف أياً كان أن يبدأ يومه دون فنجان القهوة!
كأي جلسة نسائية، كانت هذه الجلسة مفعمة بالغيبة والنميمة؛ على مدير العمل والزملاء في المكتب المجاور، الحماة والزوج وأخوات الزوج ...الخ.
في خضمّ الجلسة قالت إحدى الزميلات: " مبارح أخذنا الراتب وكمان أسبوع بيطير كلّه، زوجي ذبحني، بيعطي راتبه مصروف لأبوه وبيسدّد عن أخوه أقساط البنك، وبيظل راتبي يا دوب يكفينا لنص الشهر". انتفضت خلود ورفعت رأسها شامخاً وبصوتٍ عالٍ بدأت بإطلاق النظريات:
نظريّة رقم (1):
" كيف بتسمحيله؟ ليش إنت بتشتغلي علشان تصرفي عليه وعلى أهله، ساعديه بس بالمعقول مش ياخذ كل فلوسك، أنا والله بستلم راتبي وبخلّي 100 دينار مصرروفي وكمان 100 دينار بحوّشهم بالبنك للمستقبل، واللّي بيظل بساعد محمد بمصروف البيت ". علت وجه زميلتها كآبة واسودّ، قابلته خلود بابتسامة خبيثة، أخيراً استطاعت أن تعكس شيئاً من غِلّها على أحد آخر، هل عليها وحدها أن تعاني؟ فلينل العالم نصيباً ممّا تنال.
زميلة أخرى قابعة في الجلسة تنظر لخلود وتقول في نفسها: " آه... 100 دينار مصروف، ما هو باين على لبسك ولبس أولادك ! ها ".
والآن دور غيبة الأولاد، إحداهن تقول: " جنّنوني.. طول اليوم صراخ ولعب، نفسي أنام ولو ساعة زيادة.. "-" ما بيرضوا يكتبوا الواجبات غير بالضرب وما بيعرفوا يدرسو لحالهم غير أنا أحفّظهم. والله حفظت كتبهم لو بمتحن عنهم بيكون أحسن " - " بنتي مبارح جابتلي مسبّات بذيئة، كلّه من بنات عمها، آخر مرة تلعب معهم " - " معلمة الحضانة اشتكت من ابني.. مبارح دز ولد وخبطه بالسرير فتح راسه ونزل دمّه ". هنا استيقظت خلود مرّة أخرى، انتصب ظهرها:
نظريّة رقم (2):
" احنا بنلوم ولادنا على تصرفاتهم بس المشكلة فينا، لو بنحاورهم وما بنضربهم ما بيصيروا عدوانيين هيك، تصرفات ابنك بتعكس تصرفاتك معه. أنا دايماً إذا غلط واحد من أولادي بسأله: ماما ليش عملت هيك؟ وبفهمه غلطه بهدوء، أنا ولادي ما شاء الله عليهم" !!!
موضوع جديد: " يا حرام، شفتو شو صار مع سماح؟ زوجها سمّى ابنها الجديد فَالِح على اسم جدّه، يا حرام هو ظل حدا يسمّي هيك أسماء؟ ". أرادت خلود أن تصدح بنظريّة جديدة لكنها تذكرت ابنها البكر " نظمي" وابنتها " فاطمة " فآثرت السكوت.
الساعة الآن الثانية بعد الظهر. خرجت خلود متوجهة لبيتها وما أن فتحت المنزل حتى بدأت تنزع ثيابها مع كل ما حملته من ادّعاءات، لتعود الآن لحربها الأبدية مع الزوج والأولاد. لكنّ مشوار خلود مع النظريّات لم ينتهي، فما زال أمامها الكثير منها لتلقيها في وجه جارتها وحماتها وأمها وأختها..
أتدرون ما المشكلة؟ المشكلة هي أنّ خلود لا تعلم أنّها في مشكلة! فلا تشفقوا عليها ولا على معاملة زوجها لها ولأولادها. فما تعيشه خلود والكثير الكثير من الناس من ادّعاءات وتذبذب وأمراض نفسية هو ببساطة "أسلوب حياة".
ملاحظة: هذه القصة حقيقية وتحصل يوميا في معظم البيوت العربية.