10‏/07‏/2010

فرصة عمر...( الجزء الأول )

مدّ جسده الصغير على فراشه وأغمض عينيه وشرع بالحلم، رأى نفسه برداء أبيض وشعر منكوش يقف أمام أنابيب الاختبار والأبخرة منها تتصاعد والسوائل الزهرية والزرقاء فيها تتفاعل وتطلق الإنفجارات. وناداه أحد مساعديه: " سيد أيهمـشتاين، نجحنا ". فتح عينيه وضحك ... مد يده والتقط دفتر يومياته الصغير وشرع بتسجيل حلمه، كم كان يحلم بأن يصبح عالماً!
أيهم ببساطة طفل حالم. وككل الأطفال دوما تبدو الأحلام حقيقة، أيهم كان واثقاً بأنه سيصبح عالماً، وكان جازماً بأن المشاهد التي ترتسم دوماً في مخيلته هي واقعه ومستقبله.

خرج في اليوم التالي نحو المدرسة راكضاً متفائلاً، فاليوم سيزور مختبر العلوم، وربما نجح في إعادة تمثيل أحد مشاهد أحلامه، وربما نجح في خلق تجربة ما أو تسبب في انفجار ما. ربما كان هذا اليوم مختلفاً!
دخل المختبر مع بقية زملاء صفه، أربعون طالباً أو أكثر بقليل. اكتظّ  المختبر الذي لا تتجاوز أبعادة الستة أمتار في ثمانية بهم، وعلت أصواتهم وانتشرت الفوضى، وأخرج المعلم المجهر الوحيد الذي تملكه المدرسة، وبدأ المعلم  بسرد الاختبار على عجل وتسجيل  النتائج على السبورة، ووضع الشريحة تحت المجهر، واصطف الطلاب واحدا تلو الآخر لإلقاء نظرة وحيدة عليه دون لمسه، وبهذا -وكالعادة- باءت آمال أيهم بالفشل وانتهت الحصة دون أن يجري أي تجربة أو يطلق استنتاجاً أو يسجّل اختراعاً.

كان أيهم محباً للعلوم، وكان مصراً على تحقيق أحد أحلامه، ولأنه لم يعرف بعد معنى اليأسد توجّه نحو أستاذ العلوم، وطلب منه أن يخصص يوماً للنشاط العلمي، يوماً تقوم فيه المدرسة بعمل معرض للعلوم يجري فيه الطلاب التجارب ويبنون النماذج، لكن معلمه اعتذر له، وأكّد له رفض مدير المدرسة المطلق لمثل هذه الأفكار، فميزانية المدرسة ضئيلة ولا يمكن لها أن تتحمل الإنفاق على مثل هذه المعارض.
حزن أيهم المسكين، واكتفى بإجراء التجارب مع نفسه في باحة منزله واختراع بعض الآلات البسيطة من مسمار وأخشاب وبعض الأحجار، صنع أشياء لا معنى له ولا أساس، لكنه رغب في أن يظل حلمه حيّا، فهو مازال واثقاً بأنه سيتحقق ولو بعد حين. 

حبه للعلوم جعله دوما في خانة المتفوقين وحصل على أعلى العلامات في الثانوية، وأول ما فكر فيه دراسة الفيزياء أو الكيمياء، فجنّ جنون والده، واجتمع الوالد والأعمام والأخوال لإقناعه أن لا فائدة ترجى من ذلك، " بطّل احلم. ما راح تصير عالم ولا راح تكتشف الذرّة، ما فيه هيك اشي عنّا، هالشهادة شو بدّلك تعمل فيها؟ " - " يا عم، شوفلك تخصّص بيجيب مصاري" - " مع كل هالعلامات لازم تصير دكتور أو مهندس، لا تضيع حالك هاي فرصة العمر "- " يعني شوبدك تعمل بالكيميا والفيزيا؟ نصير أستاذ علوم يعني؟ ".
وبعد سجال ونقاش استمر طويلا اقتنع أيهم، وفي النهاية اختار أن يكون مهندساً، لا حبّا بها، لكن علّه يجد في مخابرها ومشاغلها فرصة لتحقيق بعض أحلامه الدفينة.

ومرّت سنوات دراسته الأولى على خير ما يرام وكالعادة كان من المتميزين، وكان يعشق مختبرات الجامعة، حالها كان أفضل من حال مختبرات المدرسة، لكنها أيضاً كانت تعاني من نقص من الأدوات والموارد.

في أحد الأيام وهو يعبر أحد ممرات الكلية، استرعى اهتمامه أمر ما، ورقة معلقة على الحائط، عاد عدّة خطوات للوراء ونظر بإمعان، " تعلن الجامعة عن عقد دورة تدريبية في علم الاستنساخ بإشراف لجنة أجنبية ".
قرأ الاعلان عشر مرّات ولم يصدّق نفسه، هذه الفرصة التي كان يتمنها، نعم. هذه هي فرصة العمر، الآن فقط آن لأحلامه أن تتحقق!
انطلق بسرعة للاستفسار والتسجيل، وسرعان ما صدمه ما سمع، فالتكاليف باهظة جداً، ولم يكن يملك المبلغ المطلوب، فتوجّه لعميد الكلية شاكياً، وطالبه بدعم الجامعة له، فقد كان من المتفوقين، من واجب الكلية أن تدعمه، ألا تدعم الكلية العمل الطلابي والبحث العلمي؟
فردّ العميد بالنفي، فعلى الطالب أن يدعم نفسه. وضاعت فرصة أيهم وحظي بها غيره، ليس لأنهم - مثل أيهم - يرغبون بل لأنهم يملكون. 

لم تكن هذه الصفعة الأولى التي يتلقاها أيهم، لكن هذه المرة أصابه الإحباط لبعض الوقت، لكنه سرعان ما استفاق كما يفعل دائماً، وصبّ اهتمامه على دراسته وبالغ في الاهتمام وأجهد نفسه، كأنه كان يريد الانتقام من شيء ما لكنه لم يملك أن يحدّد هويته.

في عامه الأخير في الجامعة شارك أيهم أحد أساتذته في بحث علمي، صرف فيه الوقت والجهد الكثير وأبدع، وكافأ استاذه هذا الإبداع بالعلامات المتميزة، لكنه سرعان ما اكتشف أن أستاذه قدّم البحث باسمه وحده للمشاركة في مؤتمرعالمي، بل وحصل على جائزة مالية وسمعة عالميّة طيّبة.
شعر أيهم بالإهانة، شعر وكأن أحلامه وآماله قد سرقت، لقد سرقه أستاذه ونسب نتاجه وأفكاره إلى نفسه، لقد سرق منه فرصة كانت من حقّه وحده، من حقه أن يكرّم كما كرّم أستاذه.
وعندما فكر أن يطالب بحقه، أوكل إليه أستاذه الإهانات وهمّشه وحقّره، بين له بأنه لم يكن غير مساعد وضيع، لا رأي له ولا عقل. هدّده أيهم بالفضيحة، فهزأ منه أستاذه، فلن يصدقه أحد!
كيف لطالب صغير مثله أن يتجرأ ويقارن نفسه بأستاذه الذي قضى عقوداً في البحث والدراسة، كيف له أن يتطاول هكذا أستاذه؟ عليه أن يصمت ويشكر أستاذه إذ أتاح له فرصة العمل معه وكافأه بالعلامات العالية وهي أكثر مما يستحق!
اشتكى أيهم وطالب بفتح تحقيق في الأمر، وكانت النتيجة كما توقعها أستاذه، تكاتفت الجامعة لدعم أستاذها، فالأستاذ يملك الكثير من أبواب الواسطة ليطرقها ويغلق ملف القضية، أمّا الفضيحة فكانت من نصيب أيهم وحده.
كان ما حدث كاف ليزلزل ثقة أيهم ويستبدل الشك باليقين ويسمح لقطرات من اليأس أن تبلّل قلبه الحالم الطامح. وتخرّج أيهم من الجامعة غير آسف عليها، وغادرها دون رجعة، وما زال في نفسه بقية من حلم، ما زال يطمح ويقول في نفسه: لم أحظ بعد بفرصة تحقيق الحلم وربما الفرصة آتية بعد حين.

بعد أيام من حصوله على شهادته خرج للبحث عن عمل ولم يضيع وقتاً، لكن الدرب لم يكن سهلا، وكثيرا ما انتهت مقابلة العمل قبل أن تبدأ عندما همس في أذنه أحد الموظفين " يا عم هاي الوظيفة أصلاً مبيوعة، والإعلان بالجريدة بس هيك " أو عندما سأله أحدهم " مين معاك؟ مين واسطتك؟ مين بتعرف؟
احتاج أيهم للكثير من الوقت ليدرك أن فرصة العمل الجيدة  بحاجة لأكثر من التفوق أو الشغف، وبهذا قوبل بالرفض والصدّ مرات ومرات، حتى وظف بالنهاية في عمل مكتبي بائس سرعان ما ضجر منه، فلم يكن فيه من الإبداع ما يحقق طموحه وأحلامه، ومن عمل إلى عمل لم يكن يصمد في أحدها أكثر من عام وبضعة أشهر.

كان اليأس الآن قد غمر مكانا لابأس به من قلبه، وفي أحد الأيام أعطاه أحد أبناء عمومته إعلاناً في الجريدة ((وظيفة مهندس براتب مغري في بلد خليجي)). رفض أيهم فاجتمعوا فوق رأسه مرة أخرى. ما الذي يبغيه أكثر من ذلك؟ وظيفة تدر مالاً وفيراً، هذه هي فرصة العمر. 
لكنهم لم يفهموه، فليست هذه الفرصة التي يبحث عنها، فأيهم لا يريد مالاً، أيهم يريد من يعترف بموهبته، فأمثاله لو أتيح لهم الدعم المطلوب لأثاروا غيرة العالم بإبداعاتهم.

لكن سيوافق أيهم بالنهاية وسيسافر، وستأخذه الأيام، وشيئاً فشياً سيقنع بما هو فيه وسينسى أحلامه، ويوماً ما ربما بعد عدّة عقود سيجد دفتر يومياته الصغيروسيقرأه، وسيسخر من نفسه ومن وسذاجة أحلامه.