بدأت الاعلانات على شاشة إم.بي.سي للمسلسلات الرمضانية، وها هو يطلّ مرة أخرى، باب الحارة في جزئه الخامس، كنت أظن أن هذا المسلسل انتهى للأبد رمضان الماضي، لكن يبدو أن هناك جزءا جديدا، للأسف اكتشفت ذلك متأخرة جدا ويبدو أن الجميع كان يعلم ذلك.
في الواقع أنا أكره هذا المسلسل كراهية شديدة، فعندما عرض الجزء الأول منه لم أشاهده، لأنني وجدت أن فكرته مستهلكة وسبق وشاهدنا الكثير مثله من أيام شامية وليالي الصالحية وحمام القيشاني وغيرها.. ويبدو أن مخرج المسلسل ( بسام الملا ) لا يستطيع أن يخرج مسلسلا إلا إن كان عن حارة دمشقية قديمة. لكن لما تردد اسمه كثيرا على ألسنة الجميع أصابني الفضول وتابعت الجزء الثاني منه، وبعدها ندمت على كل لحظة أضعتها على هذا المسلسل الساذج التافه.
لا أدري حقا لم يحب المشاهد العربي مسلسل باب الحارة؟ هل هم رجال الحارة؟ أم نساء الحارة؟
لا شيء يثير الإعجاب برجال الحارة، حقاً، لقد أصابني السأم من هذه الصورة النمطية في المسلسلات العربية، رجال الحارة الأخيار، رجال الشرف والشهامة والمروءة المثاليون - وكم أكره المثالية والمثاليين - يتصارعون مع رجال الحارة الأخرى المليئة بالأشرار والأوغاد واللصوص والهمجيين. ألم يحن الوقت لنتخلص من فكرة (صراع الخير والشر) وتلقين المبادئ للمشاهد في مسلسلاتنا العربية؟
لا شيء يثير الإعجاب برجال الحارة، حقاً، لقد أصابني السأم من هذه الصورة النمطية في المسلسلات العربية، رجال الحارة الأخيار، رجال الشرف والشهامة والمروءة المثاليون - وكم أكره المثالية والمثاليين - يتصارعون مع رجال الحارة الأخرى المليئة بالأشرار والأوغاد واللصوص والهمجيين. ألم يحن الوقت لنتخلص من فكرة (صراع الخير والشر) وتلقين المبادئ للمشاهد في مسلسلاتنا العربية؟
أما نساء الحارة، وما أدراك ما نساء الحارة؟ قصص الحماية والكنة، وقصص الضراير، وبنت الحمى، والجارة التي تتعمد رمي نفاياتها أما باب الجارة ليتهمها الناس بعدم النظافة وأنها ( مش معدّلة ). وشخصية الدّاية المقززة الحشرية والتي تسعى لمعرفة خبايا الناس وتداولها في الحارة، كلها قصص موضوعة في قالب تهريجي مضحك ليضيف المرح على المسلسل، ولا هدف آخر له إلا السخرية من جنس النساء وتأكيد الصورة بأننا تافهات فارغات لا يشغلنا أي كبير أو عظيم، بل إن أعظم ما عنا هو طبخ ( الكرشات والمحاشي ) ومجالس الغيبة والنميمة.
هي جملة واحدة أقولها لكم " تباً لكم، نحن لسنا بالمهرجات".
البعض يعتقد أن هذه هي صورة المرأة الحقيقية في ذلك الزمن، وأريد أن أؤكد لكم أن هذا ليس صحيحاً البتة.
أنا أعرف امرأة عاشت في زمن ماض، عاشت في زمن الجهل والتخلف، وبالرغم من ذلك لم تكن تافهة لهذا الحد. ولدت جدتي في مطلع القرن العشرين وكانت وجدي من الفلاحين. كانت تصف لنا يومها المليء بالعمل، كيف كانت تستيقظ منذ الفجر لتعد الخبز وتطعم أولادها، وبعدها تخرج للزراعة مع جدي طيلة اليوم حتى مغيب الشمس، وكان يتخلل ذلك عودتها للبيت مرات كثيرة لتنظيف البيت وجلب الماء ورعاية الأبناء. وكيف كانت تخرج أياما قبل طلوع الشمس في موسم الحصاد سيرا على الأقدام للمشاركة في الحصاد بأجر زهيد في القرى المجاورة. وكيف كانت تترك أبناءها أحيانا في رعاية جارتها عندما تغيب لأيام، وكيف فقدت مرة ابنتها الرضيعة واللتي سلّمت الروح لبارئها من شدة التعب والحر ومشقة وطول الطريق. ولم تكن هي وحدها من عانت، بل كل نساء القرية عشن تماماً نمط الحياة الذي عاشته.
لقد كانت المرأة دوماً عاملة ودوماً مسؤولة، وكان في حياتها الكثير الكثير غير المكائد والدسائس والخلافات العائلية، وكونها لم تكن متعلمة في ذاك الزمن فهذا لا يعطينا الحق بأن نسخر منها ومن عقلها ونهمشها وننتقص من حقها كما تفعل أغلب مسلسلاتنا العربية.
لا خير في باب الحارة، وإن أعجب الكثير من الناس فهذا دليل -وللأسف- على الإنحدار الفكري للمشاهد العربي، وأنا لا أملك أن أوقفه أو أمنع عرضه، لكنني ببساطة سأقاطعه كما أقاطع المنتجات الدنماركية، كي أحافظ على البقية الباقية لي من عقلي .
أمر آخر يقض مضجعي عندما أتذكر باب الحارة، فللعام الخامس على التوالي لن يهنأ لي عيش ولن أنام ليلا أو نهارا وستفزعني أصوات أولاد حارتنا وهم يصدحون بأوبرا (( بليلة بلبلوووووكيييي...)) وستفزعني أصوات جر صناديق الخشب والكرتون ( عرباية البليلة )، وسأخسر صيامي ذلك الشهر وأنا أسبهم وأسب أمهاتهم اللاتي أنجبنهم.
لكن ألا يلفت إنتباهنا حقا كيف يعجب هذا المسلسل الأطفال أكثر من غيرهم؟ أليس في ذلك مؤشر ولو بسيط على أن القصة ساذجة حقا لدرجة أنها تحاكي عقول الأطفال؟